مقدّمـــــــــــة
وهكذا ،، قرّرت السّفــــر
قرّرت منذ مدّة أن أعتزل الشّعر ، فهو جدول من الأحزان ومنبع لأنهار تسري بروحي أوجاعا وأنا قــد تعبت ... لم أعد أقوى على المواجهة ... كلّ ما حولي خراب ... وحدتي موت بطيء لا أنيس لديّ فيها سوى تأوّهاتي وأنا لم أعد أقدر على الوحدة ... جراحاتي تتعفّن يوما بعد يوم ، وأنا أشهد ذلك ولا أقدر على تحسّس هذه الجراح ... – ولكنّ البحر يغريني والرّياح تحمل لي نفحات من العطر التّائه تشدّني لأحزاني - ...
والآن ، بعد طول السّفر ، أحطّم أشرعتي بعد أن ابتعدت عن آخر الموانئ التي تربطني بمجتمع الوحوش البشريّة ، هذا المجتمع الذي أبى أن يشاركني بكائي وأن يخطّ معي أسطر مسرحيّاتي ... لمن سأكتب إن لم أجد من يقـــرأ ؟ - و ما من أحد قادر على فكّ رموز كتاباتي و لا على الغوص في مستنقعات آلامي - .. كلّ من حولي غربان لا تحسن السّماع وأعين لا ترى .. من أين آتي بمن يفرح للألم كما يفرح للجمال ؟ من أين لي بتماثيل من الذّهب وأنا أحيا على فتات الأحزان ؟
لماذا يسقط شاعرنا عند انتشاء القصيدة ؟..
تناهت هذه الكلمات إلى أعماق كوني بعد لأي ... لم يكن من السّهل أن تجد هذه الجملة / المفتاح طريقها اليّ ، وإنّي لأتساءل : كيف استطاعت أن تتحسّس الطّريق وأن تجد المسرب الذي مكّنها من الاتّصال بي .. كم اخترقت من الأبواب الموصدة ومن أسوار الضّباب كي تبلغ مدينة الظّلام الّتي قررت أن أقيم فيها حفل انتحاري ؟
لماذا يسقط شاعرنا عند انتشاء القصيدة ؟..
ظلّت هذه الكلمات تتراكض عبر متاهات مخيّلتي ويتردّد صداها في ظلمات مدينتي فأتذكّر وأصعق …وفي إغمائى أراها جالسة ، هنالك ، ترنو للغروب .. أراها وهي تستفيق بعد إغفاء طويل ، لترفع يديها للسّمـاء وتهمس : " تنتشي قصيدة ، يسقط شاعر ".. فقرّرت الانتحار هروبا من نبوءتها...
لماذا يسقط الشّاعر عند انتشاء القصيدة ؟..
قرأت هذه الكلمات ، فتملّكني الجنون ، وعاودني حبّي للحياة . سأعيش .. سأعيش للجميع .. من كان مثلي لا يسقط .. سأثبت للكلّ أنّني قادر على الخلق والذي بإمكانه أن يخلق لا يملك حقّ السّقوط .. إنّ السّقوط بشع لأنّ فيه اعتراف بالهزيمة ولكنّ الانتحار جميل .. الانتحار جميل لأنّ الشّمعة الّتي تنيرنا بضوئها تنتحر حين يبلغ الاحتراق أقصاه ، أليس انتحار الشّموع من أقدس مظاهر الجمال ؟..
لماذا يسقط شاعرنا ؟
لن أنتحر ولن أسقط أبدا ما دام في أوتاري لحن وفي فتيلي شعلة نار ...
سأجمّع بقايا سفني وسكاكين غربتي وألملم شظايا أقلامي وأرسمها : امرأة / مدينة .. اسمها : نسرين .. إنّني أحتاج ، كي أعيش ، لامرأة تأخذ شكل قضيّة .. سأسكنها مدن الأرض جميعا وأدخلها كلّ المقاهي وأجلسها قبالتي فوق الرّصيف وأرتشف من ألوان عينيها رحيق الحياة .. إنّني أحتاج لامرأة تكون بشكل حقول القمح في قريتي والزياتين الحزينة .. إنّني أحتاج لامرأة تكـون مدينة .. وأكون أنا والشّعر والحزن الأخضر مصابيح المدينة .
المؤلف





رد مع اقتباس

مواقع النشر (المفضلة)