المجزوءة الثالثة : السياسة
المفهوم الثاني : الــعــنــف من إنجاز الأستاذ يج عمر
التأطير الإشكالي:
المقصود بالعنف استعمال القوة بشكل مفرط يتجاوز الحدود القانونية والأخلاقية المسموح بها ، إنه تعسف في استعمال القوة وخرق للقوانين الأخلاقية ،والقانونية ، والشرعية.
فالعنف يبدأ عندما يغيب الاحتكام إلى العقل والمنطق والإقناع .... وقد اتخذ العنف أشكالا متعددة ومختلفة على مر العصور بدءا بجرائم القتل ،فالحروب،والإبادة العرقية ثم الإرهاب والعدوان إلخ...
لكن إذا كانت أشكال العنف تتخذ صورا واضحة وبارزة أو معلومة ، فإن الكشف عن أسبابه ودوافعه كثيرا ما يكتنفه الغموض.، خاصة عند محاولة الكشف عن جذوره في طبيعة الإنسان سواء الحيوانية أو النفسية .وهذا ما يدفع إلى التساؤلات الإشكالية التالية:
ما هو أصل العنف؟ وما الذي يدفع الإنسان إلى التنازع وممارسة العنف على أمثاله؟وهل العنف طبيعة متجدرة في الإنسان ؟ أم أنه خاصية تعود إلى ظهور الحياة الاجتماعية والثقافية لديه؟ وهل يمكن البحث عن معنى للعنف القائم بين الناس؟ وهل يمكن الحديث عن عنف مشروع وعنف غير مشروع؟
لقد تصور هوبز الإنسان في حالة الطبيعة بوصفه "ذئبا لأخيه "أي أن العنف اتخذ في حالة الطبيعة طابع "حرب الكل ضد الكل" إنه قانون الغاب الذي تحركه رغبة الإنسان في التملك والتسلط واستعباد الآخرين ، وحماية نفسه باتخاذه مبدأ الهجوم أفضل وسيلة للدفاع. انه يشكل خضوع الإنسان للغريزة والرغبة وهذا يهدد حياة الإنسان بالفناء إذا لم يلجا إلى التعاقد الاجتماعي( الإنسان ماكر وعنيف بطبعه= العنف غريزة طبيعية)، أما العنف لدى روسو فهو سلطة وقهر استخدمه الأقوياء ضد الضعفاء ، هذا العنف الذي لم يعرفه الإنسان في حالة الطبيعة التي كان يعيش فيها حرا ومستقلا وسعيدا، ولم يظهر لديه العنف إلا بعد انتقاله إلى حالة الاجتماع المتوحش والتي تطلب تجاوزها القيام بعقد اجتماعي( الإنسان خير ومسالم بطبعه = أي العنف ظاهرة ثقافية).
المحور الأول أشكال العنف:
1- عدوانية الإنسان:كونراد لورنتز:
الإشكال المطروح:
ما طبيعة وشكل العدوان أو العنف لدى الإنسان؟ وهل هو فعل غريزي أم مكتسب؟و هل تتحكم فيه الغريزة والفطرة أم العقل ؟
الأطروحة:
يبين النص انه إذا كان من غير الممكن إنكار الطابع الغريزي لنزوع الإنسان إلى العنف، إلا أن اتخاذ هذا العنف أشكاله القصوى كما يتجلى في حرب الإبادة ، يجعله من السلوكات المكتسبة لدى الإنسان ، مادامت الغريزة تقتضي الحفاظ على النوع من خلال كبح مثل هذه النزوعات العدوانية الشاملة .
يشير النص إلى شكلين من أشكال العنف الشكل الأول يتجلى لدى الحيوانات من جنس واحد والذي يتخذ شكل الصراع والتنافس من اجل الحفاظ على النوع ( كما هو الشأن في الصراع على من يفوز بالتزاوج) كما هو ملاحظ عند الأسماك (كما يتبين ذلك من خلال الدراسات المقارنة لعلم الانسال) وهذا الصراع لا يذهب إلى الأشكال القصوى المؤدية إلى القتل أو الإبادة من أجل ضمان الحفاظ على النوع.
أما النوع الثاني فنجده لدى الإنسان ويتمثل في الحروب والعنف في أشكاله القصوى عندما يتحول إلى حرب إبادة ( وهذا النوع نجده خاص بالإنسان مما يجعله طبيعة ثقافية ومكتسبة لديه وليس غريزية)يقضي على حياة مجموعة كبيرة من الناس، ويشكل خطورة على الجنس البشري ككل مما يجعله يتعارض مع غريزة الحفاظ على النوع الموجودة لدى كل الحيوانات بما فيها الإنسان نفسه وهذا ما يجعل النص يتساءل عن إمكانية وجود آليات لدى الإنسان غريزية ـ كما لدى الحيوانات ـ تكبح وتردع مثل هذه السلوكات العدوانية الشاملة.
فالحيوانات رغم امتلاكها لنزعة عدوانية بشكل فطري وغريزي، إلا أنها تملك أيضا آليات داخل الجهاز العصبي المركزي كأعضاء ، تقوم بردع وكبح نزوع هذه الحيوانات إلى القتل والعدوانية الشاملة (، من خلال تنحيها عن الصراع والاستسلام للأقوى أو ألأذكى،) و تتيح عدم تخطي هذا الصراع لحدود الحفاظ على بقاء النوع.
هكذا نلاحظ أن النص يعرض لتصورين أو تفسيرين للنزعة العدوانية لدى الإنسان، التصور الأول يرجع هذا العنف إلى أصوله الطبيعية بوصفه غريزة يشترك فيها الإنسان مع الحيوان ، والتصور الثقافي الذي يرى أن العنف لدى الإنسان ، يتجاوز طبيعته ويجد تفسيره في البحث عن مكاسب اجتماعية ومصالح فردية( لم تظهر إلا مع ظهور مفهوم الملكية الخاصة لدى الإنسان) ، والتي يجب كبحها بتدخل العقل والمسؤولية الأخلاقية لدى الإنسان، مبينا انه لفهم العنف لدى الإنسان والتحكم فيه لا يكفي فهم طابعه الثقافي وتحكيم العقل بل يجب الجمع بين التصورين فإضافة الى تحكيم العقل كما يقترح التصور الثقافي، لابد من الاستعانة بتلك اللأليات الغريزية الكابحة للعنف والقائمة في غريزة الحفاظ على النوع التي نجدها لدى الإنسان وكل الحيوانات الأخرى .
2- الحرب فعل عنيف: كارل فون كلوزفتش:
الإشكال :
ما طبيعة وما الأشكال التي يتخذها العنف؟ و كيف يمكن تعريف الحرب (كشكل من أشكال العنف)؟وما الغاية منها؟وهل الحروب لدى المجتمعات القديمة أو المتوحشة اقل عنفا من مثيلاتها لدى الشعوب المتوحشة؟
الأطروحة:
يبين النص أن الحرب هي اقتتال فردي(بين الأفراد) يقوم على القوة الجسمية وما توفره الصناعة والتقنية من وسائل القتل، من اجل التغلب على الخصم وإخضاعه.
فالحرب هي أساسا معركة فردية توسعت لتشمل مجموعة من الأفراد،يحاول فيها كل فرد بما يملكه من قوة السيطرة على خصمه وتحطيم مقاومته وإخضاعه، ولتحقيق هذا الهدف يلجا الإنسان إلى اختراع جميع الوسائل والآلات والتقنيات التي تمكنه من التغلب على خصمه.
فالإنسان كما يبين النص استطاع عبر العصور اختراع آليات وتقنيات تطورت بشكل كبير وسخر تطوره العلمي لاكتشاف أكثر الوسائل قوة وقدرة على الفتك (ابتداء من الأدوات الحجرية مرورا بالسيوف ثم البنادق ووصولا إلى الأسلحة النووية والجرثومية ) من اجل التفوق على الخصم وإخضاعه.
ويرى النص أن الحروب في المجتمعات المتقدمة هي اقل عنفا من مثيلاتها لدى الشعوب المتوحشة ، لأن العلاقات الدولية أصبحت أكثر تحضرا ، مما عمل على التخفيف من حدة هذه الحروب ، ولكن مع ذلك تبقى طبيعة الحرب هي هي لاتتغير.( ،ربما قد يكون هذا صحيح جزئيا ، خاصة لأن الفيلسوف لم يشهد الحرب العالمية خاصة الثانية التي شهدت الجحيم النووي وما بعدها، ولكن يمكن التساؤل هل الحرب التي تقوم على السيف هي اقل فتكا من الحرب التي تقوم على الديناميت والرصاص أما الأسلحة النووية والجرثومية فحدث ولاحرج...!!!؟)

المحور الثاني : العنف في التاريخ
1-العنف الاقتصادي :فريديريك انجلز:
الإشكال :
ما هو دور العنف في التاريخ؟ وما هي الإشكال التي اتخذها هذا العنف؟ وما هي العلاقة بين العنف السياسي والاقتصادي وما دورهما في التطور التاريخي للمجتمعات؟
الأطروحة:
يرى النص أن العنف لعب دورا كبيرا في التطور الاقتصادي للمجتمعات وان العنف السياسي دائما يقوم على أساس وظيفة اقتصادية، هذا العنف الذي ظهر في البداية كنتيجة لتفكك المجتمعات البدائية بفعل ظهور الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج ،مما يؤدي إلى الصراع الذي سيكون في النهاية هو المحرك للتطور الاقتصادي والانتقال إلى أنظمة اقتصادية أكثر تقدما.
يبين إنجلز أن العنف السياسي يقوم على أساس وظيفة اقتصادية ، لان العنف نشا كنتيجة لتفكك المشاعية البدائية بفعل ظهور الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وظهور المجتمع الطبقي وهذا جعل من الضروري ظهور سلطة سياسية حتى لا تضيع أو تهلك هذه الطبقات المتصارعة في صراع مفتوح( هذه السلطة التي تضع نفسها في الظاهر فوق المجتمع وتحاول أن تقلل من حدة الصراع وتبقي عليه في حدود النظام بوصفها سلطة تولدت من المجتمع وتضع نفسها فوقه، لن تكون في النهاية إلا سلطة الطبقة الأقوى والتي تختار وتتخد اجهزة الدولة كوسائل لاستغلال الطبقة المضطهدة كما يشير إلى ذلك انجلز نفسه في كتابه أصل العائلة) ،وبذلك اتخذ هذا الصراع أو العنف الاقتصادي شكل العنف السياسي ، لما أصبح هذا الصراع مستقلا عن المجتمع، هذا العنف السياسي الذي يمكن أن يلعب احد الدورين إما العمل من اجل التطوير العادي للاقتصاد مما يؤدي إلى زوال الصراع بين العنف والاقتصاد وتسريع وتيرة التطور الاقتصادي وإما أن يعمل ضد التطور الاقتصادي وفي هذه الحالة سيشتد هذا الصراع والعنف ليؤدي في النهاية إلى الاستسلام للتطور الاقتصادي وبالتالي ظهور نظام سياسي جديد ونظام اقتصادي أكثر تطورا.
2 - العنف والحق: سيغموند فرويد:
يقوم تصور فرويد للعنف على أساس كونه نزوع طبيعي وغريزي لدى الإنسان ، إذ يرى أن الحياة والتاريخ البشريين ابرزا بشكل واضح صحة نظرية هوبز القائلة بان الإنسان ذئب لأخيه ، وان هذا النزوع العدواني الغريزي لدى الإنسان يهدد الحضارة الإنسانية رغم محاولة الإنسان من خلال مجهوداته المتواصلة الحد من هذه العدوانية وإحلال العمل التضامني والحب والإيثار محله أي تقوية طابعه العقلاني والأخلاقي ، وكذلك من خلال تشريع العنف المشروع والقانوني ضد العنف الغير المشروع واللاقانوني ، ومع ذلك تظل هذه الإجراءات غير كافية ،والقانون لا يستطيع القضاء على هذا النزوع الغريزي للعنف أو العدوان لدى الإنسان . انطلاقا من ذلك يبين فرويد في النص الذي بين ايدينا ان العنف هو اصل الحق .
ألاشكال :
ما هو أصل العنف وأشكاله لدى الإنسان؟ وما دوره في تاريخ الإنسان وهل يتعارض بشكل مطلق مع الحق أم يمكن أن يؤدي إليه ؟
الأطروحة:
يبين النص أن العنف بطابعه العنيف والحيواني لدى الإنسان ، واعتماده على آليات الدمار وتوظيفه للذكاء الإنساني من اجل التغلب على الخصم وشل قدرته قد أذى في النهاية، إلى ظهور الحق والقانون ، بفعل اتحاد المستضعفين الذين أصبحوا يشكلون قوة وإرادة جماعية هي مصدر القانون والحق.
يستخدم النص مجموعة من المفاهيم من بينها العنف والقوة ... ويحدد العنف في تلك القوة العضلية الموجهة لتدمير الخصم وشل قدرته أو القضاء عليه بشكل كلي ، والتي تم تعويضها فيما بعد باستخدام أسلحة تم تطويرها بشكل مستمر بينما سيصبح للقوة العقلية والذكاء الإنساني دورا كبيرا ومتعاظما. في هذه الحرب أو العنف.
أما الحق في النص فقد أتى بمعنى القانون الذي يعبر عن إرادة جماعية ناجمة عن اتحاد المستضعفين ، الذين شكلوا بفعل اتحادهم قوة تقف في وجه قوة وعنف الفرد الواحد. أما القوة في النص فتتخذ معنيين القوة الغاشمة الناتجة عن استخدام شخص أو مجموعة من الأشخاص العنف من اجل إخضاع خصومهم والقضاء عليهم، وقوة الحق (أو ما يمكن أن نسميه القوة العادلة كمقابل للقوة الغاشمة ) والتي تتجلى في تلك القوة المعبرة عن الإرادة العامة التي اتخذت شكل القانون والذي يطلق عليها النص مفهوم الحق .
ويبين النص كيف تطورت الأدوات التي استخدمها الإنسان في ممارسته للعنف،، إذ كان في البداية يعتمد على القوة العضلية والجسدية والتي كانت تؤدي إلى تملك القوي وتحكمه في الآخرين ، ولكن ما لبث أن طور مجموعة من الأسلحة ، حيث أصبحت الغلبة لمن يملك أفضل الأسلحة وأقواها ، ثم بدا التفوق العقلي يحل محل القوة المادية . إلا انه رغم اختلاف وتطور هذه الوسائل بقيت الغاية والهدف واحدا هو إذلال الخصم وإجباره على الخضوع، وعلى التخلي عن مطالبه أو اعتراضاته ، وذلك بتدمير قوته أو إبادته.
وينتهي النص أن هذا الطابع العنيف والتدميري الذي اتخذه العنف لدى الإنسان هو الذي أذى إلى ظهور الحق والقانون بفعل إتحاد الأغلبية –من المستضعفين – ووقوفهم ضد القوة الغاشمة.
المحور الثالث:العنف والمشروعية:
1- العنف لا يواجه بالعنف: كانط:
الإشكال
هل هناك عنف مشروع وعنف غير مشروع ؟ وهل يحق مواجهة العنف بالعنف؟ أو هل يمكن الثورة والتمرد ضد الدولة ، ومواجهة عنفها بعنف مماثل؟
الأطروحة :
يبين كانط أن كل تمرد أو عصيان أو ممارسة العنف ضد الدولة أو السلطة الشرعية، هو أمر غير مشروع ويشكل جريمة خطيرة حتى وان تعلق الأمر بتجاوز رئيس الدولة لسلطته الشرعية أو خرقه لمقتضيات العقد الاجتماعي.
يرى كانط أنه لا يحق الاعتراض على العنف بعنف مماثل خاصة عندما يتعلق الأمر بعنف الدولة والسلطة الشرعية،لأن أي تمرد أو عصيان أو عنف ضد الدولة والسلطة التشريعية ، يعتبر غير شرعي وغير قانوني وغير مبرر عقليا أو منطقيا، لأنه في هذه الحالة لابد من اللجوء إلى حكم أو سلطة عليا أعلى من السلطة العليا في الدولة وهذا متناقض.، كما انه سيؤدي إلى وضع سيكون فيه كل من رئيس الدولة والمعارضة خصم وحكم في نفس الوقت ، كما سيتطلب إضافة قانون جديد " قانون مزعوم لخرق القانون" في حالة الخطر وهذا بدون معنى وينزع كل مشروعية عن القانون وسلطته.
فكانط يرى أن السلطة التشريعية لها بمقتضيات القانون الحق في ممارسة العنف المشروع ضد الخارجين عن القانون أو الذين يمارسون العنف الغير المشروع ،وهذه السلطة لا يجوز في أي حال من الأحوال التمرد عليها أو مواجهتها بالعنف نظرا للنتائج الغير الشرعية والقانونية والغير المنطقية التي تنتج عن مثل هذه المحاولة ، خاصة وان كلا الطرفين الدولة والمتمردين يمكن أن يجدا تبريرا لسلوكهما فالمتمردون سيبررون ذلك بان الدولة عاملتهم معاملة لا تليق بهم ولم تحترم حقوقهم ، بينما سيبرر رئيس الدولة لجوءه إلى العنف في وضع حد للتمرد والعصيان الذي يهدم كل شرعية للدولة ويهدد المجتمع بالخطر. وفي هذه الحالة لابد من وجود حكم بينهما ، وهذا الحكم لن يكون إلا من يملك الإدارة العليا للدولة ، والذي هو رئيس الدولة نفسه ، من هنا يستخلص النص انه لا أحد في الجمهورية يملك حق التمرد أو ممارسة العنف ضد الدولة.
2- العقل والعنف اريك فايل:
الإشكال :
هل يمكن القضاء على العنف بالعنف أم بالعقل ؟ وما علاقة الفلسفة بالعنف؟ وهل يمكن للفلسفة أن تقضي على العنف؟
الأطروحة:
يبين النص أن العنف يعتبر مشكلة أمام الفلسفة لأنه غير خاضع للمنطق أو العقل (أي بدون معنى )، فالفلسفة تختار اللاعنف ، وتعمل على إنتاج خطاب منطقي و عقلاني يحل محل العنف،، وأنها لا يمكن أن تبيح العنف إلا إذا كانت متأكدة انه سيقضي على العنف ويفضي إلى اللاعنف.
يبين النص أن العنف يشكل مشكلة بالنسبة للفلسفة في حين أن الفلسفة لا تشكل أي مشكل بالنسبة للعنف، ذلك أن العنف هو إقصاء لكل منطق ولكل حوار أو خطاب ، فالعنف إذن يزيل الفلسفة من طريقه ، ويسخر منها ، معتبرا إياها بمثابة عرقلة لمساره الخالي من أي اتجاه، وهذا ما يجعل الفلسفة تعتبر العنف مشكلة بالنسبة لها ’ لأن الفلسفة بحث عن المعنى وعن الخطاب المتماسك والمنطقي وهذا ما لا يتوفر في العنف، والذي يجب مع ذلك أن يصبح معقولا حتى تستطيع الفلسفة التحكم فيه وتوجيهه نحو اللاعنف لأن اللاعنف هو نقطة البداية والنهاية بالنسبة للفلسفة.
فالعنف بدون معنى لأنه يتعارض مع طبيعة الإنسان العاقلة، أي يتعارض مع العقل والمنطق، لأن موجة العنف لن تنتج إلا عنفا مماثلا مما سيجعل الإنسان يدور في حلقة مفرغة من العنف، يمكن أن تضع نهاية للوجود الإنساني ككل.( إذا كان العنف بهذا الشكل يتعارض حتى مع غريزة الإنسان في الحفاظ على النوع ، فكيف لا يتعارض مع طبيعته العقلانية وبالتالي يكون بدون أي معنى)‘، فالعنف إذن هو استبعاد للحوار والخطاب العقلاني والإقناع، وإحلال القوة والإخضاع محلها أي انه خضوع للقوة وليس للعقل.
يتحدث النص عن نوعين من العنف ، العنف الأصلي والأولي والذي هو خضوع لمنطق القوة والغلبة والسيطرة،والذي يمكن أن يؤدي إلى تدمير البشر والحياة البشرية ككل،، والعنف الضروري الذي يجب أن يوجه ضد العنف الأول ، بدعم من العقل والتماسك الفكري والمنطقي- للقضاء عليه وإحلال اللاعنف محله ،
ويبين النص أن الفلسفة هي أصلا ضد جميع أشكال العنف ، لأن اللاعنف هو نقطة بداية الفلسفة ونهايته، وذلك لأن العنف شكل منذ البداية نقطة انطلاق الفلسفة ، فكل خطاب في الفلسفة يكشف انه قد ظهر مدفوعا بمشكلة العنف رغم اختلاف الأنساق الفلسفية
واعتراف أو عدم اعتراف هذه الأنساق بالعنف بشكل أو بآخر ، بمعنى أن الفلسفة هي اختيار بين اللجوء إلى العقل والحوار والخطاب أو اللجوء إلى العنف( ما دام أن الفلسفة من خلال اشتقاقها هي اعتراف بعدم امتلاك الحقيقة وبالتالي تشريع للاختلاف والحوار والتسامح). انطلاقا
من ذلك يبين النص أن الفلسفة في أصلها رفض مطلق للعنف ، وإذا ما وجدنا فلسفة تجيز استعمال العنف ، فلن يكون ذلك إلا إذا ما اعتبرت أن هذا العنف أصبح ضروريا من اجل القضاء على العنف الأصلي وإحلال اللاعنف محله.
من إنجاز الأستاذ يج عمر سيدي ادريس