amelec
03-16-2005, 04:53 PM
المنافقون والكفار في أمثولة قرآنية
تحالفات مهزومة
ثمة صورة في القرآن الحكيم تمثل المنافقين والكفار، وتحكي تفتت علاقاتهم. وسياق سورة الحشر يحدثنا عن أمثولة لها من علاقة منافقي المدينة مع كفار بني النضير.
فبالرغم من العهود والمواثيق التي أعطاها أولئك لهؤلاء، ورغم التحالفات التي عقدوها مع بعضهم ضد الإسلام والرسول صلى الله عليه وآله وسلم، إلا ان ذلك لم يضف إلى تماسكهم شيئا، إنما تقطعت بهم الأسباب مع أول مواجهة تمت بينهم وبين المسلمين.
وهذه الأمثولة جديرة بالتأمل من قبل المؤمنين، بالذات وهم يخوضون الصراع مع الأعداء، فإن ذلك ينفخ فيهم روح الثقة والاطمئنان بالنصر.
ولذلك يدعو الله نبيه وكل مؤمن إلى دراسة ذلك بقوله سبحانه: (ألم تر إلى الذين نافقوا)
وسمي المنافق منافقا اشتقاقا من نافقاء اليربوع (جحره) فإنه يخفي نفسه فيها، كما يتخذ المنافق نفقا من التصنع والتكلف والكذب يخفي فيه شخصيته الحقيقية. ولقد كان المنافقون على مر التاريخ مزدوجي الشخصية، فهم بين المسلمين يتظاهرون بأحسن صور الإسلام، وبين الكفار يظهرون على حقيقتهم المعادية للحق ولأهله، ويتخذون ذلك مطية لنيل الغنيمة والمصلحة من الفريقين.
ثم يقول ربنا سبحانه: (يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب).
هؤلاء هم اخوانهم الحقيقيون، لأن شخصيتهم ومصالحهم وأهدافهم واحدة، بالرغم من تظاهرهم بالاخوة للمؤمنين. وبهذا يتبين ان اخوة المنافقين ليست لكل أهل الكتاب، وإنما هي محصورة بالكافرين منهم لا المؤمنين.
ومن الملاحظ؛ ان جزء من مسيرة النفاق تربص أهله الدوائر بالمؤمنين بحثا عن المصلحة التي لا تتحقق بسيادة الحق وأتباعه المخلصين. لذلك ارتأى المنافقون إبان العصر الإسلامي الأول، وقد بدت علامات الحرب بين بني النضير والمسلمين، ان يؤججوا الصراع طمعا في انتصار الباطل، وصعودهم داخليا إلى سدة الحكم، أو لا أقل تجنبهم المخاطر المترتبة على هزيمة المؤمنين لو حسبهم أولئك منهم.
ولكن المنافقين ـ وهذا ديدنهم في كل زمان ومكان ـ لم يضعوا البيض كله في سلة اليهود، إنما وضعوا احتمال هزيمتهم، فخططوا ومكروا على أساسه بأن تبقى تحالفاتهم مخفية، حتى لو أنهزموا لا يفقدون كل شيء بين المسلمين المنتصرين. فراحوا يتسللون لهم فرادى وجماعات، ويكاتبونهم مؤكدين: (لئن أخرجتم لنخرجن معكم).
أي لو قرر المسلمون إخراجكم فسنخرج معكم، ومصيرنا وإياكم واحد على كل حال.
ولعل في الآية إشارة إلى ان مصير المنافقين ووجودهم مرهون بدعم القوى الخارجية، بحيث لا يبقى لهم كيان ولا مبرر وجود من دونها.
ويؤكد المنافقون للكفار صدق موقفهم، ويحرضونهم بصورة أكبر، ببيان استعدادهم للتمرد الدائم على قرارات القيادة الرسالية ودعوة اخوانهم لو انهم حاولوا دفعهم إلى الوقوف ضد الكفار من أهل الكتاب، فقالوا: (ولا نطيع فيكم أحدا أبدا).
أي لن يستجيبوا لدعوة المحاربة ضدهم مهما كان الداعي، وأنى كانت صورة الدعوة. وتأكيد المنافقين على هذا الأمر، إنما يكشف عن مدى طاعة المؤمنين لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ، وان هؤلاء ربما تتغير مواقفهم لسبب بسيط.
ثم ان المنافقين يخبرون بني النضير، ان المسلمين قد يتخذون قرارا بالحرب ضدهم، ويؤكدون لهم استعدادهم للوقوف معهم فيها، وذلك في قولهم: (وإن قوتلتم لننصرنكم).
ويفضح الله تعالى هذه الدسائس التي تدور في الخفاء، فيقول عزوجل: (والله يشهد إنهم لكاذبون)
فهم إذا حان القتال لا يوفون لهم بشيء من ذلك؛ وان الذي باع المؤمنين، وباع دينه من أجل أهوائه ومصالحه الدنيوية، لمستعد ان يبيع أي أحد كان من أجل سلامته.
بعد ذلك يقول ربنا عزوجل: (لئن أخرجوا لا يخرجون معهم).
فهم غير مستعدين للتضحية بدورهم وأموالهم، ولتحمل ألوان المشقة في سبيل حلفائهم، لأنهم كرسوا إمكاناتهم من أجل راحة الدنيا، وماذا يدفعهم إلى تحمل ذلك والإلتزام بعهد لهم مع فريق من الناس، وقد نقضوا عهودهم مع الله ومع رسوله وحاربوهما والمؤمنين من أجل الدنيا؟؟ فهم إذا كاذبون.
ويضيف ربنا عزوجل قائلا: (ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون).
لأنهم ليسوا في مستوى التضحية بالمادة، فكيف التضحية بالنفس، وبالأخص إذا كان ظاهر المعركة انها تنتهي إلى انتصار الحق وأهله؟!
فهم غير مستعدين لخوض معركة تذهب بفضيحتهم وخسارتهم، وقد صنعوا المستحيل من أجل أن يلعبوا على الحبلين، ولا يصنفوا في جهة وجماعة ما من أجل سلامتهم.
وهب ان المنافقين جازفوا ودخلوا الحرب ضد المسلمين، فماذا سوف يغيرون في الواقع؟
سوف لا يكون نصيبهم ومن تحالفوا معه الا الهزيمة، لأنهم لا يملكون مقومات الثبات في القتال؛ وأهمها روح التضحية والشهادة المتوفرة عند اتباع الحق دونهم، ولأن إرادة الله أقوى من ان يثبت أمامها أحد، وحينها يخسر الكافرون أنصارهم، وسوف يخسر المنافقون مستقبلهم.
وانما ينهزم المنافقون، وحتى الكافرين عسكريا أمام المسلمين، لأنهم يعيشون الهزيمة النفسية في داخلهم أيضا. ودليل ذلك توسلهم بالنفاق بين المسلمين، لأنهم لا يملكون الشجاعة الكافية للظهور على حقيقتهم، وكان الأولى لهم ان يخافوا الله الشاهد عليهم لو كانوا يعلمون ويؤمنون بالغيب.
قال الله تعالى: (لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون).
أي لا يعرفون الحقائق بعمق، وإلى حد اليقين، وإلا لكانوا يتركون النفاق والتعاون مع أعداء الحق خشية سطوة الله وعذابه في الدنيا والآخرة.
وهذه الصفة متأسسة على النظرة المادية للحياة. فهم لا يعيشون حقائق الغيب، ولذلك لا يخشون ما يتصل بها كالخالق عزوجل.
ومن مظاهر خوفهم وهزيمتهم الداخلية، انهم لا يملكون شجاعة المواجهة المباشرة مع المؤمنين، إنما يتوسلون بألوان الدفاعات الممكنة خشية الموت. ومن أسباب ضعفهم بالإضافة إلى روح الهزيمة، هذا التفتت في الجبهة الداخلية اجتماعيا.
قال الله تعالى: (لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون).
فإنك لو فتشت قلوبهم وقلبت آراءهم، لوجدتها متفرقة ومتناقضة، بل لوجدتهم متناحرين في كثير من الأحيان. والسبب انهم لا يدورون على محور واحد، ولا يسعون نحو هدف واحد، كما يدور المؤمنون مع الحق أينما دار، ويستهدفون إقامة الحق في الأرض.
وهذه المسيرة المنحرفة التي لا تقوم على التعقل، لا ريب أنها ستقودهم إلى المصير السيء في الدارين، كما قال ربنا سبحانه.
تحالفات مهزومة
ثمة صورة في القرآن الحكيم تمثل المنافقين والكفار، وتحكي تفتت علاقاتهم. وسياق سورة الحشر يحدثنا عن أمثولة لها من علاقة منافقي المدينة مع كفار بني النضير.
فبالرغم من العهود والمواثيق التي أعطاها أولئك لهؤلاء، ورغم التحالفات التي عقدوها مع بعضهم ضد الإسلام والرسول صلى الله عليه وآله وسلم، إلا ان ذلك لم يضف إلى تماسكهم شيئا، إنما تقطعت بهم الأسباب مع أول مواجهة تمت بينهم وبين المسلمين.
وهذه الأمثولة جديرة بالتأمل من قبل المؤمنين، بالذات وهم يخوضون الصراع مع الأعداء، فإن ذلك ينفخ فيهم روح الثقة والاطمئنان بالنصر.
ولذلك يدعو الله نبيه وكل مؤمن إلى دراسة ذلك بقوله سبحانه: (ألم تر إلى الذين نافقوا)
وسمي المنافق منافقا اشتقاقا من نافقاء اليربوع (جحره) فإنه يخفي نفسه فيها، كما يتخذ المنافق نفقا من التصنع والتكلف والكذب يخفي فيه شخصيته الحقيقية. ولقد كان المنافقون على مر التاريخ مزدوجي الشخصية، فهم بين المسلمين يتظاهرون بأحسن صور الإسلام، وبين الكفار يظهرون على حقيقتهم المعادية للحق ولأهله، ويتخذون ذلك مطية لنيل الغنيمة والمصلحة من الفريقين.
ثم يقول ربنا سبحانه: (يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب).
هؤلاء هم اخوانهم الحقيقيون، لأن شخصيتهم ومصالحهم وأهدافهم واحدة، بالرغم من تظاهرهم بالاخوة للمؤمنين. وبهذا يتبين ان اخوة المنافقين ليست لكل أهل الكتاب، وإنما هي محصورة بالكافرين منهم لا المؤمنين.
ومن الملاحظ؛ ان جزء من مسيرة النفاق تربص أهله الدوائر بالمؤمنين بحثا عن المصلحة التي لا تتحقق بسيادة الحق وأتباعه المخلصين. لذلك ارتأى المنافقون إبان العصر الإسلامي الأول، وقد بدت علامات الحرب بين بني النضير والمسلمين، ان يؤججوا الصراع طمعا في انتصار الباطل، وصعودهم داخليا إلى سدة الحكم، أو لا أقل تجنبهم المخاطر المترتبة على هزيمة المؤمنين لو حسبهم أولئك منهم.
ولكن المنافقين ـ وهذا ديدنهم في كل زمان ومكان ـ لم يضعوا البيض كله في سلة اليهود، إنما وضعوا احتمال هزيمتهم، فخططوا ومكروا على أساسه بأن تبقى تحالفاتهم مخفية، حتى لو أنهزموا لا يفقدون كل شيء بين المسلمين المنتصرين. فراحوا يتسللون لهم فرادى وجماعات، ويكاتبونهم مؤكدين: (لئن أخرجتم لنخرجن معكم).
أي لو قرر المسلمون إخراجكم فسنخرج معكم، ومصيرنا وإياكم واحد على كل حال.
ولعل في الآية إشارة إلى ان مصير المنافقين ووجودهم مرهون بدعم القوى الخارجية، بحيث لا يبقى لهم كيان ولا مبرر وجود من دونها.
ويؤكد المنافقون للكفار صدق موقفهم، ويحرضونهم بصورة أكبر، ببيان استعدادهم للتمرد الدائم على قرارات القيادة الرسالية ودعوة اخوانهم لو انهم حاولوا دفعهم إلى الوقوف ضد الكفار من أهل الكتاب، فقالوا: (ولا نطيع فيكم أحدا أبدا).
أي لن يستجيبوا لدعوة المحاربة ضدهم مهما كان الداعي، وأنى كانت صورة الدعوة. وتأكيد المنافقين على هذا الأمر، إنما يكشف عن مدى طاعة المؤمنين لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ، وان هؤلاء ربما تتغير مواقفهم لسبب بسيط.
ثم ان المنافقين يخبرون بني النضير، ان المسلمين قد يتخذون قرارا بالحرب ضدهم، ويؤكدون لهم استعدادهم للوقوف معهم فيها، وذلك في قولهم: (وإن قوتلتم لننصرنكم).
ويفضح الله تعالى هذه الدسائس التي تدور في الخفاء، فيقول عزوجل: (والله يشهد إنهم لكاذبون)
فهم إذا حان القتال لا يوفون لهم بشيء من ذلك؛ وان الذي باع المؤمنين، وباع دينه من أجل أهوائه ومصالحه الدنيوية، لمستعد ان يبيع أي أحد كان من أجل سلامته.
بعد ذلك يقول ربنا عزوجل: (لئن أخرجوا لا يخرجون معهم).
فهم غير مستعدين للتضحية بدورهم وأموالهم، ولتحمل ألوان المشقة في سبيل حلفائهم، لأنهم كرسوا إمكاناتهم من أجل راحة الدنيا، وماذا يدفعهم إلى تحمل ذلك والإلتزام بعهد لهم مع فريق من الناس، وقد نقضوا عهودهم مع الله ومع رسوله وحاربوهما والمؤمنين من أجل الدنيا؟؟ فهم إذا كاذبون.
ويضيف ربنا عزوجل قائلا: (ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون).
لأنهم ليسوا في مستوى التضحية بالمادة، فكيف التضحية بالنفس، وبالأخص إذا كان ظاهر المعركة انها تنتهي إلى انتصار الحق وأهله؟!
فهم غير مستعدين لخوض معركة تذهب بفضيحتهم وخسارتهم، وقد صنعوا المستحيل من أجل أن يلعبوا على الحبلين، ولا يصنفوا في جهة وجماعة ما من أجل سلامتهم.
وهب ان المنافقين جازفوا ودخلوا الحرب ضد المسلمين، فماذا سوف يغيرون في الواقع؟
سوف لا يكون نصيبهم ومن تحالفوا معه الا الهزيمة، لأنهم لا يملكون مقومات الثبات في القتال؛ وأهمها روح التضحية والشهادة المتوفرة عند اتباع الحق دونهم، ولأن إرادة الله أقوى من ان يثبت أمامها أحد، وحينها يخسر الكافرون أنصارهم، وسوف يخسر المنافقون مستقبلهم.
وانما ينهزم المنافقون، وحتى الكافرين عسكريا أمام المسلمين، لأنهم يعيشون الهزيمة النفسية في داخلهم أيضا. ودليل ذلك توسلهم بالنفاق بين المسلمين، لأنهم لا يملكون الشجاعة الكافية للظهور على حقيقتهم، وكان الأولى لهم ان يخافوا الله الشاهد عليهم لو كانوا يعلمون ويؤمنون بالغيب.
قال الله تعالى: (لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون).
أي لا يعرفون الحقائق بعمق، وإلى حد اليقين، وإلا لكانوا يتركون النفاق والتعاون مع أعداء الحق خشية سطوة الله وعذابه في الدنيا والآخرة.
وهذه الصفة متأسسة على النظرة المادية للحياة. فهم لا يعيشون حقائق الغيب، ولذلك لا يخشون ما يتصل بها كالخالق عزوجل.
ومن مظاهر خوفهم وهزيمتهم الداخلية، انهم لا يملكون شجاعة المواجهة المباشرة مع المؤمنين، إنما يتوسلون بألوان الدفاعات الممكنة خشية الموت. ومن أسباب ضعفهم بالإضافة إلى روح الهزيمة، هذا التفتت في الجبهة الداخلية اجتماعيا.
قال الله تعالى: (لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون).
فإنك لو فتشت قلوبهم وقلبت آراءهم، لوجدتها متفرقة ومتناقضة، بل لوجدتهم متناحرين في كثير من الأحيان. والسبب انهم لا يدورون على محور واحد، ولا يسعون نحو هدف واحد، كما يدور المؤمنون مع الحق أينما دار، ويستهدفون إقامة الحق في الأرض.
وهذه المسيرة المنحرفة التي لا تقوم على التعقل، لا ريب أنها ستقودهم إلى المصير السيء في الدارين، كما قال ربنا سبحانه.