مشاهدة النسخة كاملة : مجموعة قصص مفيدة لبراعمنا الصغار //
zidane
07-14-2006, 12:02 AM
عفوا صاحب الموضوع تعب في إحضار الروابط لدى فهو محجوب و يتوجب عليك التسجيل
لولو تكتشف الطبيعة
بقلم الكاتب: يحيى الصوفي
وصلت لولو برفقة والديها المنطقة الريفية الجميلة القريبة من المدينة فوجدتها قد لبست حلتها الخضراء الجميلة كعادتها في فصل الربيع، فراحت تركض فرحة وهي تلامس بساقيها الصغيرتين العشب الأخضر الرطب فتثير من حولها المئات من الحشرات الصغيرة الطائرة منها والنطاطة والتي بدأت بالهروب تاركة الزهور البرية المتناثرة بينها، وقد شكلت بتموجاتها الداكنة لوحة متقنة مليئة بالألوان تشبه تلك التي تغمس ريشتها الصغيرة بها عندما تحب أن ترسم على الأوراق البيضاء في حضانتها التي بدأت ترتادها منذ أول العام.
فجأة وقع نظرها على عينتين كبيرتين تنظران إليها بدهشة واستغراب !. اقتربت لولو منهما متفحصة بفضول... فهي لم تشاهد مثلهما من العيون ملقاة على إحدى الزهور دون رأس أو جسد من قبل !. مدت إصبعها الصغير تحاول أن تتعرف إليهما باللمس أكثر فانطبقتا على بعضيهما البعض ليصبحا عينا واحدة ؟ .قبضت لولو على تلك العين الغريبة المسطحة بإصبعيها الصغيرتين فسمعت من يصيح بها
- أي ...أي ...أنت تؤلمينني ...اتركيني...اتركي جناحي !!!.
استغربت لولو من ذلك الصوت وتركت العين الرقيقة لتتفاجأ بها اثنتين تصفقان وتطيران بعد إن تركتا أثارا تشبه البودرة الناعمة على إصبعيها !؟.
صاحت لولو مستغربة:
-عيون تطير
ضحكت نبتة للورد قريبة منها وقالت:
-فراشة...تلك العيون اسمها فراشة، كانت ضيفتي تتناول من رحيق أزهاري فطورها، لقد أفزعتها...هربت منك ؟.
لولو مستغربة:
-ولكن لها عينتين كبيرتين
نبتة الورد وهي تبتسم:
-أنها عيون وهمية مرسومة على جناحيها الرقيقين تتخفى خلفهما حتى تخيف وتبعد عنها الطيور !.
سألتها لولو:
-تطعمينها لماذا ؟.
نبتة الورد: إنها كغيرها من الفراشات تسدي لي خدمة جليلة !.
لولو: كيف؟.
نبتة الورد: تنقل ما لدي من غبار الطلع إلى زهرات أخرى لتختلط وتلقح... إنها وسيلتنا للملامسة والتزاوج تشبه القبلات عندكم... وهكذا وبعد كل قبلة تنضج بذرة تعطي إذا ما زرعت نبتة وزهرة جديدة.
لولو: وأنت ما اسمك ؟
نبتة الورد: أنا يسمونني الأقحوان، يأخذون مني الدواء والعطور والألوان.
أجابتها لولو وقد لحظت حشرة ملونة تسعى على إحدى أوراقها:
-وهذه تطعمينها أيضا، إنها صغيرة جدا تنزلق انزلاقا لا أرى لها أرجل ؟.
الأقحوان: إنها خنفساء تعرفينها من النقاط السود المبعثرة بانتظام على ظهرها الأملس الأحمر الذي يشبه الدرع، هي تأكل عندي أيضا ولكن من حشرات المن السوداء الصغيرة المتخفية تحت أوراقي،
لولو: ولكن البقع السوداء ولونها الأحمر لا يخيف كيف تتخفى عن أعدائها ؟
الأقحوان: أنها تنذرهم بلونها الصاخب لتقول لهم بأنها لا تصلح للأكل، فان هاجمها عصفور ما انقلبت على ظهرها وتظاهرت بالموت حتى يذهب عنها الخطر . !
أمسكت لولو بإحدى الأوراق تقلبها فوجدت جيش من النمل يرسم خطا طويلا قادما من الأرض نحو عش للمن فاستغربت من ذلك وقالت: والنمل أيضا ؟.
الأقحوان: النمل يا صغيرتي لا أحبه أبدا هو يأتي ليحلب المن ويحمل ما يستخرجه من بطونها من عسل إلى العش ليطعم صغاره... وهو يحميها ويربيها تحت أوراقي ولهذا فهو ليس من أصدقائي !.
لولو: هل تتألمين عندما يقضمون أوراقك ؟
ضحكت الأقحوان منها وقالت:
-نحن النباتات لا نتألم، ليس لنا جهاز عصبي مثلكم لنحس به ولا جهاز للهضم، ! ولكن قد نصاب بالمرض أو نموت من الجوع أو العطش، أو بكل بساطة نختنق من قلة النفس.
استغربت لولو منها وقالت:
-تتنفسين وتأكلين وتشربين ؟ لا أرى فماً لك فكيف تفعلين؟
قهقهت الأقحوان وقالت:
-أنا أتغذى واشرب من التربة عن طريق جذور لي مدفونة فيها ؟
لولو: غريب فمك تحت التراب ؟
الأقحوان: لا... أنا لا فم لي... أنا لي جذور تشبه القصبة الرفيعة التي تشربين العصير بها، واطرح عن طريق أوراقي ما يزيد من الماء ولهذا تجدينني غضة وطرية ونضرة وأزهاري جميلة تحوي كل الألوان... ومنها تعرف الإنسان عليها وأخذها ليخط بها ويرسم لوحاته بإتقان... ولون بها الشفا والخدود لتصبح كل فتاة رقيقة مثلك أخاذة للجمال... وصنع من أريجنا العطر ليفتن بها الروح ويقرب القلوب ويطهر الأبدان.
مدت لولو يدها الصغيرة تتفحص أوراقها الخضراء وزهورها الصفراء الجميلة ثم قبضت عليها براحة كفها وهزتها برفق ثم قالت: -لا تقولي بأنك تتنفسين كما تتكلمين معي وتتفصحين ؟ !.
أخذت نبتة الأقحوان تتمايل بدلال وهي تضحك وتقول:
-أنت تدغدغينني وعلى ما يبدو لم تصدقينني... ما رأيك إذا قلت لك بأنك بحياتك لي تدينين ؟
تفاجأت لولو بها وبغرورها بعد أن أطلقت سراحها وقالت:
-كيف ؟ ! بهذا أيضا تتدخلين ؟.
الأقحوان بفخر: لما لا فانا التي اصنع الأكسجين وأنظف جو المدينة المقيت المليء بالمازوت والكربون لأصنع به غذائي وأعطي بدلا منه الهواء النظيف التي تتنفسين.
لولو وقد شعرت بالغيرة:
-وان قطفتك ولوالدتي هديتك فماذا تفعلين ؟
الأقحوان بشيء من الزهو:
-تكوني قد أكملت عطائي وزينت المائدة بزهوري... فنحن نطعم ونفرح وفي كل يوم نعطي الآلاف منا دون أن نكل أو نمل أو نستكين.
وما إن همت لولو بقطاف الأقحوان حتى وجدت نفسها بين ذراعي والدها وهو يصيح بها:
-أين ذهبت تعالي لكي تتناولي فطورك... وهو يطبطب على ظهرها برفق: هيا ...هيا
سرت لولو وقد وجدت المائدة جاهزة تتوسطها كأس فيها ماء وبعض من أزهار الأقحوان فقالت وهي تمسك صحنها المزخرف: -فراشة انظر بابا هذه فراشة... ثم أشارت إلى الناحية الثانية منه وقالت: خنفساء هذه خنفساء ماما أليس كذلك ؟... وتلك أزهار الأقحوان جميلة هي ورائحتها عطرة ويوجد منها العديد من الألوان.
تفاجأت والدة لولو بها وقد تعرفت على الرسوم وقالت:
-من علمك كل هذا ؟
نظرت لولو إلى أزهار الأقحوان فرأتها تبتسم وتشير إليها بان تحفظ سرها... سر الحياة... سر الوجود...إذا كان لسرهم في قلبها من مكان... فرددت ببراءة:
-ماما هذه فراشة وهذه أقحوان...
zidane
07-14-2006, 12:05 AM
عفوا صاحب الموضوع تعب في إحضار الروابط لدى فهو محجوب و يتوجب عليك التسجيل
لماذا سكت النهر؟
بقلم الكاتب: زكريا تامر
كان النهر في الأيام القديمة قادراً على الكلام، وكان يحلو له التحدث مع الأطفال الذين يقصدونه ليشربوا من مائه ويغسلوا وجوههم وأيديهم، فيسألهم مازحاً: "هل الأرض تدور حول الشمس أم الشمس تدور حول الأرض؟".
وكان النهر يبتهج لحظة يسقي الأشجار فيجعل أوراقها خضراء.
وكان يهب ماءه بسخاء للورد كي لا يذبل. ويدعو العصافير إلى الشرب من مائه حتى تظل قادرة على التغريد.
ويداعب القطط التي تأتي إليه فيرشقها بمائه، ويضحك بمرح بينما هي تنتفض محاولة إزالة ما علق بها من قطرات الماء.
وفي يوم من الأيام أتى رجل متجهم الوجه يحمل سيفاً فمنع الأطفال والأشجار والورد والعصافير والقطط من الشرب من النهر زاعماً أن النهر ملكه وحده.
فغضب النهر، وصاح: "أنا لست ملكاً لأحد".
وقال عصفور عجوز: "لا يستطيع مخلوق واحد شرب ماء النهر كله".
فلم يأبه الرجل الذي يملك سيفاً لصياح النهر وأقوال العصفور إنما قال بصوت خشن صارم:
"من يبغي الشرب من ماء نهري، يجب أن يدفع لي قطعة من الذهب".
قالت العصافير: "سنغني لك أروع الأغاني".
قال الرجل: "الذهب أفضل من الغناء".
قالت الأشجار: "سأمنحك أشهى ثماري".
قال الرجل: سآكل من ثمارك متى أشاء، ولن يستطيع أحد منعي".
قال الورد: "سأهبك أجمل وردة".
قال الرجل ساخراً: وما الفائدة من أجمل وردة؟!.
قالت القطط: "سنلعب أمامك كل صباح ارشق الألعاب، وسنحرسك في الليل".
قال الرجل: "لا أحب ألعابكم، وسيفي هو حارسي الوحيد الذي أثق به".
وقال الأطفال: "نحن سنفعل كل ما تطلب منا".
فقال الرجل: "لا نفع منكم فأنتم لا تملكون عضلات قوية".
عندئذ استولت الحيرة واليأس على الجميع بينما تابع الرجل الكلام قائلاً: إذا أردتم أن تشربوا من ماء نهري، ادفعوا لي ما طلبت من الذهب".
لم يحتمل عصفور صغير عذاب العطش، فأقدم على الشرب من ماء النهر، فسارع الرجل إلى الإمساك به ثم ذبحه بسيفه.
بكى الورد. بكت الأشجار. بكت العصافير. بكت القطط. بكى الأطفال، فهم لا يملكون ذهباً، وليس بمقدورهم العيش دون ماء، ليكن الرجل الذي يملك سيفاً لم يسمح لهم بالشرب من ماء النهر، فذبل الورد، ويبست الأشجار، ورحلت العصافير والقطط والأطفال، فغضب النهر، وقرر الامتناع عن الكلام.
وأقبل فيما بعد رجال يحبون الأطفال والقطط والورد والأشجار والعصافير، فطردوا الرجل الذي يملك سيفاً، وعاد النهر حراً يمنح مياهه للجميع دونما ثمن غير أنه ظل لا يتكلم، ويرتجف دوماً خوفاً من عودة الرجل الذي يملك سيفاً.
zidane
07-14-2006, 12:07 AM
عفوا صاحب الموضوع تعب في إحضار الروابط لدى فهو محجوب و يتوجب عليك التسجيل
رندا تلعب
رسمت رندا بطباشيرها الملونة على الحائط ولداً صغيراً، ولما تأملته الفته عابس الوجه، فسألته: "ما اسمك يا ولد؟".
قال الولد العابس الوجه: "اسمي وضاح. لماذا تسألين؟".
قالت رندا: "أنا أبغي مساعدتك. لماذا أنت حزين؟".
قال وضاح: "ضاعت طابتي".
فضحكت رندا، وبادرت إلى رسم طابة كبيرة ذات ألوان حمراء وزرقاء وبيضاء، ففرح وضاح، وسارع إلى اللعب بها، فقالت له رندا: "دعني ألعب معك".
فلم يوافق وضاح، فغضبت رندا، ورسمت بالطباشير نهراً أزرق كثير المياه.
رمي وضاح الطابة بقوة إلى أعلى، فطارت ثم سقطت في النهر، فبكى وضاح منادياً الطابة التي حملتها مياه النهر بعيداً عنه.
قالت رندا: "لا تبك".
ظل وضاح يبكي حتى أشفقت رندا عليه، ورسمت دراجة لها ثلاثة دواليب، فشهق وضاح مغتبطاً، وامتطى الدراجة مطلقاً صيحات قصيرة حادة مرحة، ولكنه فجأة زال فرحه، وعبس وجهه، فسألته رندا: "ما بك؟".
قال وضاح: "أنا جائع".
قالت رندا: "اذهب إلى بيتك وكل".
قال وضاح: "لا بيت لي".
قالت رندا: "إذن اذهب إلى مطعم".
قال وضاح: "لا نقود معي".
قالت رندا مبتسمة: "أنا مثلك جيوبي فارغة خاوية".
فبكى وضاح مردداً: "أنا جائع. أنا جائع".
احتارت رندا ولم تدر ما تفعل، ولكنها بعد تفكير قليل، أخرجت من جيبها منديلاً، وبللته بماء النهر ومسحت به ما رسمت على الحائط، فتلاشى عندئذ وضاح والدراجة والنهر، وظلت رندا تقف وحدها محنية الرأس حزينة لأن ولداً صغيراً لم يجد ما يأكل.
zidane
07-14-2006, 12:08 AM
عفوا صاحب الموضوع تعب في إحضار الروابط لدى فهو محجوب و يتوجب عليك التسجيل
القط الذي لا يحب المطر
القط الصغير يلعب مبتهجاً، والرجال الذين يحبون الأشجار الخضراء يحرثون ويبذرون حبات القمح ثم يتوسلون إلى الريح أن تأتي الغيوم.
وأقبلت الغيوم رمادية اللون، وهطل المطر، وركض الفرع عبر الحقول مطلقاً صيحات عالية مرحة.
فرح التراب العطشان، وشرب بنهم من ماء النهر.
فرحت حبات القمح لأنها ستصير سنابل خضراء.
فرح الرجال الذين حرثوا الأرض، فسيحصدون القمح في الصيف، وعندئذ يصبح باستطاعتهم شراء ما يحتاج إليه أولادهم من طعام وثياب وكتب.
فرحت الغيوم لأنها تخلصت من ماء يتعبها حمله، وصار بإمكانها التنقل برشاقة من مكان إلى مكان.
فرح العصفور إذ غسلت الأمطار ريشه، وحين ستسطع الشمس، سيحط على غصن شجرة، ويغرد فخوراً بريشه النظيف.
وهكذا عمّ الفرح، غير أن القط الصغير الذي لم يكن يملك مظلة، غضب لأن الأمطار بللته، وهرع إلى أمه ساخطاً مرتجف الذيل، وقال لها: "أنا لا أحب المطر".
فنظرت إليه الأم مؤنبة مستنكرة، وقالت: "يجب أن تحب ما ينفع الجميع".
صاح القط الصغير: "لن أحب المطر".
قالت الأم بهدوء: "يجب أن تكره ما يؤذي الجميع".
فقال القط الصغير بإصرار: "أتمنى ألا يهطل المطر أبداً"
وبعد أيام، تحقق ما تمنه القط الصغير، فقد رحلت الغيوم، وكّف المطر عن الهطول قبل أن تنال حبات القمح ما تحتاج إليه منا ماء، وحينئذ سارع التجار إلى زيادة ثمن القمح حتى يتكاثر ما يملكون من مال، وبات الخبز لا يستطيع شراءه إلا الأغنياء، ولم يعد بمقدور القطط الحصول على الخبز، فالقطط فقيرة لا تملك سيارات أو أبنية.
جاع القط الصغير، فقال لأمه باكياً: "أنا جائع".
فقالت له أمه بحزن: "ماذا أفعل؟ لا يوجد خبز في الأسواق".
فقال القط الصغير متسائلاً: "وأين الخبز؟".
فأجابت الأم مبتسمة: "الخبز يصنع من القمح، والقمح لا ينبت إلا إذا شرب الكثير من المطر.. المطر الذي لا تحبه".
فخجل القط الصغير، وعاهد أمه على أن يحب المطر.
zidane
07-14-2006, 12:09 AM
عفوا صاحب الموضوع تعب في إحضار الروابط لدى فهو محجوب و يتوجب عليك التسجيل
الريح
قال الغزال الصغير للريح: "احمليني إلى شاطئ البحر".
فضحكت الريح، وقالت بلهجة مؤنبة: "أنت كسول، فللماذا أحملك ما دمت سريع الركض؟.".
قال الغزال: "أنا متعب جداً فهيا ساعديني".
قالت الريح: لا أستطيع تلبية طلبك، فأنا لا أشتغل في الصيف".
قال الغزال بغيظ: "إذن متى تشتغلين؟".
قالت الريح: "اشتغل في الشتاء فقط".
قال الغزال متسائلاً بهزء: "وما هو عملك؟".
فأجابت الريح بصوت دهش مستنكر: "ألا تعلم؟ أنا أخلص الأشجار من أوراقها الصفراء اليابسة، وأنا أثقل الغيوم المحملة بالمطر إلى الحقول العطشى".
غضب الغزال، واتهم الريح بأنها لا تريد مساعدته، وأبلغها أنه لم يتحدث معها، غير أنه ابتسم حين أبصر أرنباً يتواثب مرحاً، فصاح به: "أنا أسرع منك في الركض".
قال الأرنب فوراً: "ماذا تنتظر؟ هيا نتسابق".
وانطلق الغزال والأرنب يركضان، وهمت الريح أن تتحداهما وتشترك في السباق، ولكنها ظلت صامتة هادئة إذ تذكرت أنها لا تشتغل في الصيف إنما تستسلم للراحة منتظرة الشتاء.
-----------------------------------------------
zidane
07-14-2006, 12:11 AM
عفوا صاحب الموضوع تعب في إحضار الروابط لدى فهو محجوب و يتوجب عليك التسجيل
الجني...
بقلم الكاتب: عادل أبو شنب
كانت فطمة تقفز من الفرح، تنط كعصفور جائع في بيدر والأولاد يتحلقونها مأخوذين بهذا الفرح الغامر غير المألوف الذي حولها إلى جنية صغيرة. وأمينة رفيقتها التي لا تفارقها تحاول عبثاً معرفة السبب.
وكان النهر ينساب على بعد خطوات في مسكنة، يملأ ماؤه الأخضر اللون.. مجراه المحفور منذ مئات السنين وعلى ضفتيه تشمخ شجرات الحور بجباهها التي تعانق الشمس وترنو إلى الماء الكسول في احتقار.
قالت أمينة:
-قولي. قولي يا فطمة.
قالت فطمة:
-الآن أبدأ. حتى لو أطعمتني بقلاوة لن أقول. بعد قليل تشاهدين كل شيء بنفسك.
ونطت على قدم واحدة كما تفعل في سباق القدم الواحدة في المدرسة ونهداها الصغيران يثبان والأولاد يتبعونها.. باتجاه النهر.
كان الوقت خريفاً والأشجار تتعرض لنسيم بارد يسقط الأوراق، ومن بعيد كانت تسمع أصوات الفلاحين الذين يعملون في الأرض.
وكانت شجرة الحور الكبيرة المنتصبة في خيلاء.. ترسم على صفحة ماء النهر ظلاً، والظل المستحم في الماء يعطي الشجرة امتداداً معاكساً ذاهباً نحو الأعماق، وكثيراً ما كان أولاد القرية يقفون على الضفة يحدقون إلى الظل المرسوم على صفحة الماء:
-هاهنا أعمق مكان في النهر.
-الماء يغمر ثلاثة جمال فوق بعضها.
-كل سنة يأكل الظل المرسوم على الماء.. ولداً.
وكان النهر العجوز في انسيابه غير مكترث بالأولاد هادئاً رزيناً نائماً أو متناوباً.. كأنه غيلان حكايات الجدات تنام بعيون مفتوحة الأحداق.
ورثت الجدات قصة النهر عن جداتهن وهؤلاء ورثنها عن جداتهن من قبل وأصبح العرف الشائع في القرية التي تحتضن النهر إن الاستحمام في نقطة وقوع ظل شجرة الحور الكبيرة على الماء.. يؤدي إلى الهلاك بسبب من وجود جني هائل الحجم في أعماق النهر، يبتلع الذين يقذفون بأجسادهم إلى الماء. ولقد حدث أن حاول فتيان، في الماضي الاستحمام في النقطة الخطرة فابتلعهم الجني –تقول الجدات –ولم ينج منهم أحد.
وصل الأولاد الذين كانوا يجرون وراء فطمة إلى ضفة النهر وكان أحمد بوجهه الناحل القلق ينتظر، كتفه تستند إلى ساق شجرة الحور، وعلى شفتيه ابتسامة صغيرة شجاعة لم تستطع أن تخفي اضطراب عينيه. كان بلا ملابس تقريباً وبدنه البني اللون يرتجف من لسعات نسيم الخريف.
قال فطمة:
-أأنت عازم فعلاً؟
قال أحمد:
-أجل
وتهيب الأولاد الموقف، كان ظل أحمد على صفحة الماء ملاصقاً لظل شجرة الحور الكبيرة المنتصبة وكان النهر يسير هادئاً كسولاً.
وعندما صمت الأولاد.. سمع من الضفاف القريبة نقيق الضفادع.. كأنه صلاة، فدب الخوف في القلوب الفتية وأيقن الجميع أن أحمد، سيد لذاته من صبيان القرية، سيختطفه الجني القابع في أعماق النهر.
كانت فطمة من مطلع الثالثة عشرة حلوة فمها منمنم وعيناها سوداوان واسعتان يعيش فيهما مكر صبياني وجديلتاها الفاحمتان.. تتقاتلان مع المنديل المزركش الذي يلف وجهها الأبيض ويمنع تسللهما إلى الخارج. وكان أحمد يبدي في كل مناسبة اهتماماً خاصاً بها وعندما قالت له قبل ساعة واحدة أثناء جولة قضياها معاً على ضفاف النهر:
-أأنت على استعداد لعمل ما أطلبه منك؟
قال بسرعة:
-نعم حتى ولو طلبت حليب السبع.
وقالت:
-وإذا طلبت منك العوم في النهر قرب شجرة الحور الكبيرة؟
أجاب:
-افعل..
وقالت تسأله، وتدعم سؤالها بحركة حائرة من ذراعها:
-ألا تخاف؟
-ممن؟
-من الجني.
-أنا؟ أنا أخاف؟ سأعوم من أجلك أمام جميع أولاد الضيعة.
نظر أحمد إلى عيني فطمة ونظرت فطمة إلى عينيه بدورها.
كان الأولاد واجمين ينقلون أبصارهم ما بين جسد أحمد البني اللون والجسد المائي الممتد في كسل وتراخ داخل المجرى المحفور منذ مئات السنين، كانوا مذعورين وكانت شجرة الحور الكبيرة المادة ظلها في فوق الماء.. تبدو في عيونهم كمارد مخيف ولو لم يكونوا مجتمعين للجأ كل منهم إلى البكاء.
واستعد أحمد للعوم: رفع ذراعيه إلى أعلى بعملية شهيق طويلة وراح يحدق بسرعة إلى الوجوه الصغيرة المحتقنة بالقلق التي أذهلتها المفاجأة.
وتمتمت فطمة:
-الله معك.
وأسبل أحمد أهدابه.. كمن يستسلم لمصير مجهول وتسارعت دقات قلب الأولاد وهبت نسمة باردة أسقطت أوراقاً خريفية أخرى اضطجعت على صفحة الماء كأنها.. جثث، وسمع النقيق الجنائزي بوضوح وراحت أمينة تلهث من الإعياء وظهر الندم في عيني فطمة غير أن ارتطام جسد أحمد.. بالجسد المائي المنساب في المجرى بدل كل شيء وجعل الأولاد يصرخون.
انشقت نقطة وقوع ظل شجرة الحور على الماء.. عندما لامسها أحمد فكأنها شدق هائل الاتساع.. ابتلع الجسد الفتي، وكف الأولاد عن الصراخ، وعادوا إلى الذهول والصمت والترقب، ولأول مرة رأوا تكسر الظل المرسوم على صفحة الماء، غير أنهم لم يفكروا جميعاً في هذه اللحظة إلا بالجني الهال الحجم القابع في أعماق النهر.
ومرت ثوان..
وعاد النهر العجوز بسرعة إلى انسيابه الكسول، ومن جديد أسقطت نسمة خريفية أوراق الشجر فوق صفحة الماء وراحت الضفادع تؤدي دورها وشجرة الحور الكبيرة تشمخ بأنفها..
كأنها آلهة، وأصوات الفلاحين البعيدة تختلط بخوار البقر الأجش، وكان الأولاد ممتقعي اللون لا يتحركون.. كأنهم دمى خشبية يملأ عيونهم ترقب ملوث بالدموع.
فجأة.. انشقت صفحة الماء في النهر المنساب بكسل.. عن جسد أحمد بالذات، ورأى الأولاد الوجه مبتلاً بالماء وبالسعادة فراحوا يصيحون.. كأنهم يمتطون أرجوحة العيد.
وسمع صوت أحمد، لأول مرة بعد خروجه من الأعماق:
-الماء بارد لكنه منعش..
وتتابعت الأسئلة التي كانت حائرة على شفاه الصغار:
-والأعماق؟
-.. كأعماق أي نهر آخر
-والجني؟
-لا شيء حتى ولا سمكة صغيرة.
-والماء؟
-بارد، بارد.. لكنه منعش.
-وصرخت فطمة في فرح وقلق:
-اخرج يا أحمد لئلا تبرد.
وكان أحمد يسبح تارة على بطنه وأخرى على ظهره.. في ثقة وسعادة ولقد بدا وجهه الناحل هذه المرة أكثر عافيه.
وتنادى الأولاد للعودة إلى دورهم. كانت وجوههم تطفح بشراً متوقداً، وعيونهم تخبئ الخبر الجديد: ميتة الجني الهائل الحجم.. بذراعي أحمد القويتين.
zidane
07-14-2006, 12:13 AM
عفوا صاحب الموضوع تعب في إحضار الروابط لدى فهو محجوب و يتوجب عليك التسجيل
البطة الثقيلة
بقلم الكاتب: عبد الله عبد
كانت بطة في قرية بعيدة تسبح كل يوم في بركة صغيرة.
ولكن ذات صيف، جف ماء البركة، فحزنت البطة حزناً شديداً وتساءلت:
-متى يسقط المطر فتمتلئ البركة بالماء؟
فسمعها عصفور وقف، لتوه، على غصن شجرة. فقال لها:
-في الشتاء طبعاً.
قالت البطة:
-وهل انتظر مجيء الشتاء حتى تمتلئ البركة بالماء؟
أنا عطشى جداً. وأرغب في السباحة.
فسأل العصفور:
-ولماذا لا تطيرين إذن إلى بحيرة ما؟ أعرف بحيرة تحيط بها الأشجار من كل جانب.
فقالت البطة:
-وهل هي بعيدة؟
فأجاب العصفور:
-لا، إنها وراء هذه التلال.
فقالت البطة:
-لا أقدر على الذهاب إلى هناك، لأني لا أستطيع الطيران.
وسأل العصفور:
-عجباً كيف لا تستطيعين الطيران وأنت تملكين جناحين كبيرين؟
قالت البطة:
-حقاً إني أملك جناحين كبيرين ولكنهما لا يقويان على حملي.
سأل العصفور:
قصة
-لماذا؟
قالت البطة:
-لقلة الاستعمال يا عزيزي العصفور. لم أكن أحتاج إليهما في القرية. كنت أتنقل على رجلي، والتقط طعامي من هنا وهناك، فلم أفرد جناحاً يوماً وأحلق في الفضاء.
فقال العصفور:
-وهكذا ثقل وزنك، وضعف جناحاك فلم تعودي قادرة على الطيران.
فهزت البطة رأسها بالإيجاب. وتابع العصفور:
-وآثرت حياة الراحة والكسل في القرية على حياة السفر والرحيل؟
أجابت البطة بندم:
-نعم هذا ما فعلت حقاً.
فقال العصفور:
-يا للأسف تحملين جناحين ولا تطيرين بهما. سمعت طفلاً يقول مرة: ليتني أملك جناحين كي أطير بهما.
ورفرف العصفور بجناحيه فقالت البطة:
-احملني معك إلى البحيرة أيها العصفور، فإني أكاد أهلك عطشاً.
فقال العصفور وهو يغادر الشجرة طائراً:
-لا أستطيع يا عزيزتي البطة. كل عصفور يطير بجناحيه.
ثم تركها وحلق في الفضاء باتجاه البحيرة. عندئذ صفقت البطة بجناحيها وحاولت أن تقلد العصفور في الطيران. لكنها كانت ثقيلة جداً فلم تستطع أن ترتفع فوق الأرض.
zidane
07-14-2006, 12:15 AM
عفوا صاحب الموضوع تعب في إحضار الروابط لدى فهو محجوب و يتوجب عليك التسجيل
الغيمة والريح والفلاح
مرت الريح فوق البحر فقالت له:
-أيها البحر هل ترافقني؟
فقال البحر:
-إلى أين؟
فقالت الريح:
-للقيام برحلة في البلاد.
فقال البحر:
-لا أستطيع.
سألته الريح:
-لماذا؟
فأجاب البحر:
-لأني أنا البحر:
ولم يعجب هذا الجواب الريح فقالت:
-يا له من متكبر!
وتابعت الريح طريقها فوق البحر فشاهدت مركباً فقالت له:
-هل ترافقني؟
فقال المركب:
-إذا سمحت لي، فالتجار ينتظرون على الشاطئ الآخر وعنابري حافلة بالجوز واللوز والفراء والفلفل واللؤلؤ والمرجان.
ونفخت الريح في الأشرعة فانتفخت وتهادى المركب فوق البحر حتى وصل إلى الشاطئ حيث كان تجار الجوز والفراء والتوابل والصنوبر واللؤلؤ والمرجان ينتظرون، ثم توقف عند الشاطئ ولم يتقدم بعد ذلك.
وتابعت الريح طريقها فشاهدت شجرة فقالت لها:
-أيتها الشجرة هل ترافقينني في رحلتي؟
أجابت الشجرة:
-كلا.
فسألتها الريح:
-لماذا؟
فردت الشجرة:
-لأني أنتظر الربيع كي أورق وأزهر وأصنع ثمراً للناس.
وجرت الريح بين البيوت فقالت لأحدها:
-هل ترافقني في رحلتي؟
فقالت البيت:
-بودي لو أرحل معك، فقد ضجرت من البقاء في مكان واحد. ولكن البيوت وا أسفاه لا ترحل لأنها ثابتة.
وواصلت الريح سيرها فالتقت بجبل فقالت له:
-هل تسافر معي؟
فقال لها الجبل:
-كيف أسافر معك وأنا أحمل على ظهري الثلج والغابة.
وانحدرت الريح إلى الطريق العامة وقد عللت النفس بأنه من الممكن أن تجد هناك أحداً ما، فصادفت عمود كهرباء، فقالت له:
-أيها العمود هل تمضي معي فتتفرج على الدنيا بدلاً من أن تقف هنا ثابتاً فيدخل الملل إلى قلبك؟
فقال عمود الكهرباء
-ليتني أستطيع أن أفعل، ولكن عما قليل تغيب الشمس ويعم الظلام وهنا تأتي مهمتي فأحمل النور إلى البيوت؛ وعندئذ ينحني التلاميذ على كتبهم لحفظ دروسهم، وتحمل آلام صنارتها وخيطانها لتتابع نسج الصوف، ويفتح الأب صحيفته ليستطلع الأخبار قرب الموقد.
وشعرت الريح بالوحدة فأنت وأعولت. تلفتت هنا وهناك فرأت غيمة فقالت لها:
-أيتها الصديقة هل تسافرين معي؟
فقالت الغيمة بفرح:
-نعم.. نعم فأنا على موعد مع فلاح بذر حبوبه وغرس شتوله في الأرض ثم راح ينتظرني في حقله. لعلي قد تأخرت في السفر إليه. وأخشى أن أصل بعد فوات الأوان.
فقالت الريح:
-أمتطي ظهري وسأحملك إليه قبل أن تذوي شتوله وتموت بذوره في باطن الأرض.
وامتطت الغيمة ظهر الريح التي سرعان ما انطلقت في طريقها فرحة جذلى لأنها تحمل الأمل والخير لفلاح ينتظر.
zidane
07-14-2006, 12:17 AM
عفوا صاحب الموضوع تعب في إحضار الروابط لدى فهو محجوب و يتوجب عليك التسجيل
اليد أولاً
عندما مات الملك ترك سيفه الذي قتل به كثيراً من الأعداء، وكان لهذا السيف صيت في كل البلاد. فقبضته من الذهب ونصله المرهف قد صنع من صاعقة سقطت على كوخ حطاب.
وكان للملك ولد يحب اللهو واللعب كثيراً، ولا يهتم بشؤون رعيته ويقضي أوقاته في أمور تافهة لا تليق بحاكم مسؤول عن رعيته.
وكانت والدته كلما قالت له: "يجب أن تتدرب على القتال وحمل السيوف". كان يرد عليها: -ولماذا أتدرب على السيوف؟ إن سيف أبي الذي قبضته من ذهب ونصله من صاعقة كفيل بدحر الأعداء وقطع رقابهم.
حينئذ كانت الأم تخلد إلى الصمت ولا تنبس ببنت شفة.
حتى جاء يوم أغار فيه الأعداء على البلاد. وكان هؤلاء الأعداء يتحينون الفرص للثأر من الملك الذي هزمهم كثيراً. ذلك الملك الذي لم يستطيعوا أن يتغلبوا عليه وهو وحي.
حمل ابن الملك سيف أبيه باحتفال مهيب، ثم سار على رأس جيشه لملاقاة أعدائه.
عندما التقى بأعداء بلاده نشبت بينه وبينهم معركة صغيرة، لكنه لم يستطع أن يصمد طويلاً أمامهم وسرعان ما انهزم.
ذهل ابن الملك واستبد به العجب فقال لمن حوله وهو يرمي سيف أبيه على الأرض:
-أي سيف تافه هذا: إنه لا يستأهل الصيت الذي أذيع عنه.
فقال له أحد قواده:
-بل إنه سيف عظيم جداً يا مولاي.
فقال ابن الملك:
-أين هذه العظمة التي تتحدث عنها. إنه سيف مثلوم الحد لم يقطع رقاب أحد من الأعداء.
فأجاب القائد:
-السيف لا يقطع الرقاب يا مولاي.
قال ابن الملك:
-عجباً ومن يقطع رقاب الأعداء إذا لم يكن السيف هو الذي يقطعها إذن؟
-إن الذي يقطعها يا مولاي اليد التي تحمل السيف.
قال ابن الملك:
-ماذا تقول أيها القائد؟
فقال القائد:
-أقول يا مولاي أن الذي يقطع رقاب الأعداء هو اليد التي تحمل السيف. حسناً أترك السيف في غمده ألف سنة فإنه لا يتحرك ولا يقتل أحداً من الأعداء، أما اليد فتستطيع أن تقتل الأعداء بدون سيف.
فقال ابن الملك:
-وكيف تستطيع اليد أن تقتل الأعداء بدون سيف؟
فأجاب القائد:
-تستطيع أن تفعل ذلك بأية أداة قاطعة: بالمنجل.. بالفأس أو بالرفش. المهم يا مولاي أن تكون اليد مصممة على قتل الأعداء.
قال ابن الملك:
-ما تقوله أيها القائد غريب حقاً.
وقرر أن يبدأ صفحة جديدة. ثم ركب حصانه وانطلق يتدرب على السيف. بعد مدة من الزمن صار ابن الملك يجيد استعمال السيوف وكل أدوات القتال.
قال:
-والآن يجب أن نقاتل الأعداء ونهزمهم.
ثم مضى بجنوده لقتال الأعداء الذين كانوا يغطون في نومهم عند الفجر.
حينما استيقظ الأعداء سخروا من ابن الملك وجيشه لأنهم كانوا يعتقدون أن ابن الملك وجيشه لا يحبون القتال، ولا يجيدون استعمال السيوف.
قال ابن الملك:
-أيها الأعداء اتركوا أراضينا وعودوا إلى دياركم.
فضحك الأعداء من ابن الملك وقالوا له:
-كلا لن نترك هذه الأراضي.
فقال ابن الملك:
-أيها الأعداء إذا لم تتركوا بلادنا وتعودوا إلى دياركم فستهلكون.
قال الأعداء ساخرين:
-أنتم لا تستطيعون إخراجنا من بلادكم، لأن سيوفكم لا تقطع.
فقال ابن الملك:
-ليست السيوف هي التي تقطع.
فقال الأعداء:
-وما الذي يقطع إذن. إذا كانت السيوف ليست هي التي تقطع؟
قال ابن الملك:
-إن الذي يقطع حقاً هو اليد التي تحمل السيف. لقد غلبتمونا في المرة السابقة لأننا اعتمدنا على سيوفنا. أما الآن فنحن نعتمد على أيدينا.
ثم هجم ابن الملك وجيشه على الأعداء هجوماً صاعقاً وانتصروا عليهم. ولم يكن ابن الملك في هذه المرة يحمل سيفاً قبضته من ذهب، ونصله من صاعقة سقطت على كوخ حطاب.
وإنما كان يحمل بيده شيئاً آخر غير السيف. ربما كان فأساً. وربما كان منجل حصاد. وكذلك فعل بقية أفراد الجيش.
zidane
07-14-2006, 12:20 AM
مساكن للعصافير
بقلم الكاتب: وليد إخلاصي
كانت العصافير التي تسكن (الحديقة العامة) سعيدة ومطمئنة البال، تغرد وترقص في السماء ثم تحط على أعشاشها الصغيرة المتناثرة على قمم الأشجار وأغصانها.
وظلت العصافير سعيدة إلى أن جاءها إنذار من رئيس الحديقة يقول إما أن تدفع العصافير أجرة الأعشاش التي تسكنها، أو أن تغادرها إلى مكان آخر. فقالت العصافير بأسى: ولكننا لا نملك مالاً، ونحن لا نعرف كيف يأتي الناس بالمال. وشكل العصافير وفداً لاسترحام رئيس الحديقة وشرح أوضاعهم، ولكنه كرر عليهم مضمون إنذاره، وهددهم بالطرد إن لم يستجيبوا للإنذار.
وحزنت الأشجار وأصاب الأزهار يأس كبير، إلا أن ارتباطهم الشديد بالتراب منعهم من تقديم شكوى رسمية فاكتفوا بالبكاء.
قالت الأشجار: -من يسلينا بعد الآن بالغناء صباح مساء؟!
وهتفت الأزهار: -من يغني لنا أناشيد الحب والصفاء؟!
ولكن رئيس الحديقة لم يأبه لما سمع، واضطرت العصافير إلى الرحيل، فانطلقت مهاجرة أفواجاً والحيرة قد تملكتها لا تعرف لها مستقراً.
وأصاب الأشجار حزن عميق، واستسلمت الأزهار لبكاء ساخن عميق سرعان ما أغرقها فجعلت تموت واحدة تلو الأخرى، كذلك الأشجار جفف الألم أغصانها تتساقط على الأرض لتحلق بها الأغصان نفسها. ودخل الناس ذات يوم إلى الحديقة يطلبون الراحة والمتعة، فهالهم الصمت والحزن، وكأن الحديقة أصبحت مقبرة قاتمة الألوان.
لا عصافير ولا أزهار، والأشجار تجف مقبلة على الموت بأجساد وأهنة. مل الرجال المنظر فتركوا الحديقة إلى بيوتهم، وتساءل الأطفال عن سر التعاسة المقيمة، فاستجوبوا شجرة سرو هرمة، فقصت عليهم الحكاية كلها، هاجرت العصافير لأنها لا تملك مالاً تدفعه أجرة لأعشاشها الصغيرة!
وتوجه الأطفال إلى رئيس الحديقة يستعطفونه ويطلبون للعصافير الرحمة والغفران، فصدهم الرئيس بقسوة وقال لهم: يجب أن يدفع الساكن مالاً لقاء البيت الذي يقطنه.
فصاح الأطفال: ومن أين يأتي العصافير بالمال؟
فلم يعرهم رئيس الحديقة التفاتاً فخرجوا إلى الحديقة الميتة يبكون. وقال طفل طيب: لنجمع للعصافير أجرة لبيوتهم.
وصمم الأطفال آنذاك على أن يساهموا في إعادة الحياة إلى الحديقة فقتروا على أنفسهم في المصروف، لا حلوى ولا ألعاب. ورغم معارضة الآباء فقد تم جمع مبلغ كاف من المال دفع إلى رئيس الحديقة، فدعيت العصافير للعودة إلا أن العصافير لم تتمكن جميعها من العودة، لأن أعداداً كبيرة منها قتلها التعب والتجوال في سماء لا أعشاش فيها فسقطت على الأرض قتيلة، وبالرغم من أن أعداداً ضئيلة عادت إلى الحديقة فإن الحياة دبت في الأشجار ونمت الأزهار من جديد، فعادت السعادة إلى الحديقة.
zidane
07-14-2006, 12:23 AM
عفوا صاحب الموضوع تعب في إحضار الروابط لدى فهو محجوب و يتوجب عليك التسجيل
دجاجتي العقيم
بقلم الكاتب: مراد السباعي
لم أكن قد تجاوزت التاسعة بعد، عندما نازعتني رغبة ملحة، في استغلال المبلغ الزهيد الذي ادخرته من (خرجيتي) خلال بضعة أشهر.. ورأيت بعد طول التفكير أن ابتاع ديكاً حسن الصوت والشكل ودجاجة أنيقة عريقة، تعطيني من البيض أفخمه وأطيبه..
وكان ذلك.. وجئت بالديك والدجاجة فوضعتهما في قفص من الخشب صنعته بنفسي، وكلفني صنعه من المشقة الشيء الكثير، لقد جرحت يدي بالمنشار في مواضع عديدة وأدخلت أحد المسامير في إصبعي.
ومضت الأيام وأنا أراقب باهتمام عظيم سلوك الديك والدجاجة، وأنتظر بشوق ولهفة ذلك اليوم السعيد الذي أشاهد فيه شيئاً أبيض يتدحرج بين رجلي دجاجتي السوداء..
وكانت الظواهر كلها تشير إلى أن أحلامي وشيكة التحقيق، وأن البيضة المنتظرة ستكون في متناول يدي بين ساعة وساعة..
فهاهو ذا الديك العظيم يملأ القفص حركة ونشاطاً، ويصيح بصوته الجميل صياحاً متواصلاً لا هوادة فيه، ويصفق بجناحيه تصفيق الفرح المستبشر، ويدور حول دجاجته الحبيبة بزهو متعجرف أين منه زهو الطواويس.. ولا عجب، فالدجاجة في (زحمة) من أمرها.
ولكن الأيام تمضي، والشهور تتعاقب، ولا شيء في القفص غير الصياح والضجيج، والجلبة الفارغة، ولا شيء غير الريش المتساقط..
آه، يا للدجاجة الممثلة..
رأيتها ذات مرة تقبع على القش المهيأ لبيضها، وتدور حول نفسها ببطء وإعياء، وتقوقي بصوت خفيض جداً، كأنها تعاني أشد آلام الوضع، فقلت في نفسي كان الله في عونك وشد ما كانت دهشتي عندما شاهدتها بعد لحظات قصيرة تنتصب واقفة، وتنتفض عدة انتفاضات قوية، ثم تدرج في أرض القفص باحثة عن الطعام، وكأنما الذي فعلته لم تقصد به إلا اللعب بعواطفي.. ورأيتها مرة أخرى... هي وديكها اللعين، يقيمان الدنيا ويقعدانها صياحاً وعربدة وتصفيقاً بالأجنحة، وقفزاً على القضبان، فقلت لقد آن أوانها، ولن يمضي النهار إلا وتكون البيضة في كفي، ولكن شيئاً من ذلك لم يحدث، ومضت تلك المشكلة كزوبعة في فنجان..
بيد أن المفاجأة قد حدثت ذات صباح.. فقد لمحت بين رجلي دجاجتي شيئاً أبيض كالثلج يأخذ مكانه على القش المبعثر، فتناولته والسرور يرعش يدي، والسعادة تغمر كياني، وانطلقت به إلى جدتي كالمأخوذ..
وأخذت جدتي البيضة من يدي فقلبتها بإمعان وتدقيق، وأطالت إليها النظر، وفجأة أطلقت ضحكة ساخرة، ورمت بالبيضة إلى الأرض.. ورأيت البيضة تتدحرج على الأرض دون أن تنكسر، وفي غمرة من الدهش الصاعق لما أصابني أمام هذه المعجزة، سمعت جدتي تقول: هذه بيضة من الجص.. ولا أدري أي خبيث قد وضعها تحت دجاجتك ليسخر منك.. إن دجاجتك يا ولدي عقيم، وما كان العقم لينتج شيئاً على الإطلاق...
zidane
07-14-2006, 12:25 AM
عفوا صاحب الموضوع تعب في إحضار الروابط لدى فهو محجوب و يتوجب عليك التسجيل
العصفور والطائرة
بقلم الكاتبة: ليلى صايا سالم
طلع الصباح.. اهتزت أوراق الشجرة وأفاق العصفور. فتح عينيه وصفق بجناحيه وطار. كان نشيطاً تغمره البهجة.. حط على الأرض وتمرغ بالعشب الأخضر، ابتل ريشه بالندى فنفضه وطار. استمع إلى زقزقات العصافير البعيدة، كان يفهم ما تقول. أجابها بزقزقة ممطوطة، واستنشق هواء الصباح بعمق.. كان الصباح جميلاً والعصفور مسروراً.
فجأة سمع صوتاً غريباً.. كان صوتاً قوياً مزمجراً لم يسبق له أن سمع مثله من قبل خفق قلبه. اهتزت الشجرة.. صمتت العصافير وتوقفت الصراصير عن الغناء، وركضت الحشرات تختبئ في شقوق الأرض.. صمت كل شيء. رفع العصفور رأسه نحو السماء.. كانت زرقاء صافية، وشاهد فيها طائراً كبيراً يمرق بسرعة من غير أن تخفق أجنحته.
كان يهدر بشدة. تعجب العصفور من أمر هذا الطائر وتساءل في سره: أي طائر غريب هو. قد يكون أكبر من شجرة التوت الكبيرة التي اعتاد أن يقف عليها في بيت صديقه غسان. ولكن لماذا يبدو غاضباً إلى هذا الحد؟ وكيف يستطيع أن يطير من غير أن يرف بأجنحته أو يحركها؟ ودفعه فضوله إلى أن يسأله عنه، فطار مسرعاً إلى بيت صديقه غسان.
كانت الجدة في الحديقة تنزع بعض الأعشاب اليابسة. زقزق العصفور قائلاً:
-صباح الخير أيتها الجدة.
-صباح الخير أيها الجميل.
-هل رأيت يا جدتي ذاك الطائر الكبير المزمجر؟ إنه يلتمع تحت أشعة الشمس، ويطير ثابتاً وكأنه لا يخشى السقوط.
-إنه ليس بطائر أيها العصفور.. إنه طائرة.. ألم تر أو تسمع بالطائرة؟
-لا. وما هي الطائرة؟
-هي حوت ضخم من الحديد.. جوفه كبير.. يبتلع الناس وأمتهم ويطير بهم ويأخذهم إلى أماكن بعيدة حيث يخرجهم ثانية من جوفه.
فكر العصفور في نفسه: لا شك أن الطائرة أفضل مني فأنا لا أستطيع أن أحمل سوى القش بمنقاري.
ثم سأل الجدة:
-وهل تطير مسرعة.. أسرع مما أطير؟
ضحكت الجدة وقالت:
-أسرع بكثير.
-وماذا تحمل في جوفها أيضاً؟
-تحمل أشياء تشبه الكرات. هل تعرف الكرات؟. إنها تلك الأجسام المستديرة الملونة التي يلعب الصغار بها، وحين ترمي تلك الأشياء تزرع الموت والدمار.
خاف العصفور وارتعش. سأل الجدة:
-وهل يحب الأطفال الطائرة يا جدتي؟
-إنهم يخرجون حين يسمعون صوتها، يرفعون رؤوسهم نحو السماء، ويصفقون لها بأيديهم وتعلوا ضحكاتهم وهي تمرق بسرعة فوق رؤوسهم.
حزن العصفور وقال في نفسه: لا شك سيأتي يوم ينصرف فيه الأطفال عن الطيور ويتعلقون بالطائرات.
ترك العصفور الجدة واقترب من النافذة. كان غسان الصغير يحبو وهو يضرب بيديه لعبة صغيرة.
عادت الطائرة يسبقها صوتها المزمجر.. اهتزت جدران المنزل.. صرخ غسان.. بدأ يبكي بشدة، كان الرعب يهز جسمه الصغير.
نقر العصفور زجاج النافذة.. نظر إليه الطفل سكت ثم ضحك وبانت أسنانه الصغيرة. صفق العصفور بجناحيه منتصراً. قال في نفسه: لن تكون الطائرة أفضل طالما هي تبكي الأطفال وأنا أجعلهم يضحكون.
zidane
07-14-2006, 12:27 AM
عفوا صاحب الموضوع تعب في إحضار الروابط لدى فهو محجوب و يتوجب عليك التسجيل
الأعمى والأصم
بقلم الكاتب: أيوب منصور
كان لحاكم إحدى المدن القديمة ولدان، أحدهما أعمى لا يبصر، والآخر أصم لا يسمع. وبعد وفاته حدث خلاف بين الولدين على الحكم، لكن قاضي المدينة اقترح أن يحكم المدينة في النهار الولد الأعمى، ويحكمها في الليل الولد الأصم. وافق الولدان على الاقتراح وصار كل منهما يحكم خلال أوقاته المحددة، ففي النهار يأمر الوالي الأعمى الناس بالامتناع عن تأدية أعمالهم وتكريس الوقت كله للكلام عن عدالته وعن ظلم أخيه.. أما في الليل فكان الوالي الأصم يمنع الناس من النوم ويجبرهم على ترديد أغاني المديح لشخصه حتى مطلع الفجر. وبعد مضي مدة قصيرة نفدت مؤنة المدينة وهلك الناس لأن حاكم النهار يسمع ولا يرى وحاكم الليل يرى ولا يسمع.
zidane
07-14-2006, 12:30 AM
عفوا صاحب الموضوع تعب في إحضار الروابط لدى فهو محجوب و يتوجب عليك التسجيل
العقل الكبير
كان الحمار الصغير يتنزه ليلاً، فانقض عليه الضبع يريد أن يأكله فأشفق الفيل على الحمار، وسارع إلى إنقاذه وطرد الضبع.
قال الفيل للحمار: أنت صغير السن، ولذا سأرعاك حتى تصير حماراً كبير السن.
وبعد أمد قال الحمار للفيل: هاأنذا أصبحت كبير السن، ولم أعد بحاجة إلى رعاية أحد.
قال الفيل: هيا قدم إلي دليلاً على أنك أصبحت أيضاً كبير العقل.
فهجم الحمار فوراً على شجرة، وراح يرفسها حتى أوشك أن يحطم حوافره فضحك الفيل وقال:
ما فعلته ليس دليلاً على اكتمال العقل؟ قالت الضفدعة:
أن تتمكن من النهيق وأنت في الماء.
فقفز الحمار إلى ماء النهر، وعندما حاول النهيق امتلأ جوفه بالماء وأوشك أن يغرق.
والتقى الحمار بفأرة فقال لها متسائلاً: كيف أستطيع أن أصبح مكتمل العقل؟
قالت الفأرة: تزوج.
قال الحمار: لا أحد يوافق على الزواج من حمار.
قالت الفأرة: أنا موافقة على الزواج منك ولكن يجب أن تمتنع عن الطعام حتى تصبح نحيلاً مثلي وتتمن من الإقامة في بيتي.
صار الحمام أياماً ولكنه تخلى عن صيامه إذ أوشك الجوع أن يهلكه. قابل الحمار جرادة، فقال لها: كيف أستطيع أن أملك عقلاً كبيراً؟
قالت الجرادة: سيصبح عقلك كبيراً إذا أكلت كل ما في الغابة من أعشاب وأشجار.
عمل الحمار بنصيحة الجرادة، وانطلق في الغابة يأكل ما يصادفه فأصيب بالتخمة ومات.
سار الفيل في جنازة الحمار وهو يقول: الحمير لا تكتمل عقولها إلا بعد الموت.
zidane
07-14-2006, 12:32 AM
عفوا صاحب الموضوع تعب في إحضار الروابط لدى فهو محجوب و يتوجب عليك التسجيل
الدجاجة والنسر
شاهدت الدجاجة نسراً يطير في ارتفاع منخفض، فأقسمت أنها تستطيع أن تطير كما تطير النسور.
فقالت البومة للدجاجة: الدجاجة لا تستطيع أن تطير إلا كما يطير الدجاج. غضبت الدجاجة، وصعدت إلى سطح المنزل، وصفقت برهة بجناحيها ثم قفزت في الفضاء لتسقط على الأرض ميتة. فهتفت البومة:
قد تطير النسور كالدجاج ولكن الدجاج لا يستطيع أن يحلق كما تحلق النسور
zidane
07-14-2006, 12:34 AM
عفوا صاحب الموضوع تعب في إحضار الروابط لدى فهو محجوب و يتوجب عليك التسجيل
تحدى سكان القمر
ظهر المذيع التليفزيوني على الشاشة مبتسما وهو يعلن لجميع سكان الأرض عن بداية المباراة المنتظرة بين فريقي "مهاجرو القمر" و "الأرض"!
منذ عدة سنوات ظهرت مشكلة حقيقية بين سكان القمر, هؤلاء الذين هاجروا من الأرض إلى القمر. لقد نجحوا على سطح القمر وأقاموا مجتمعات جديدة ومنتجة, كما أقاموا المصانع واستصلحوا الأراضي الوعرة هناك. إلا أنهم وبعد تلك السنوات أعلنوا تمردهم وغضبهم على كل سكان الأرض!
اجتمعت هيئة الأمم المتحدة التى تضم معظم دول العالم مع الوفد القادم من القمر للتعرف على سر هذا الغضب, وربما لمنع تدهور العلاقات بين الكوكبين, أى حرصا على السلام الكون, وحسن الجوار بين الكواكب.
ومنذ اللحظات الأولى للاجتماع, تبين للجميع أن المهاجرين تحولوا إلى سلوك لا يعرف الخبث أو الضغينة أو الدهاء. وأعلنوا صراحة أن سبب غضبهم هو تجاهل سكان الأرض لهم, على الرغم من أنهم (أي سكان القمر) كانوا منذ زمن بعيد من سكان الأرض, وقد هاجر أجدادهم إلى القمر من أجل حياة أفضل.
وقد لخص رئيس وفد سكان القمر طلبات وفده.. التعاون التجاري العادل حيث أن سكان الأرض يصعدون ويجمعون الثروات من فوق سطح القمر, ولا يدفعون القيمة المناسبة لتلك الثروات من معادن وغيرها. لم تطل المفاوضات أكثر من يومين, وأعلن سكرتير عام الأمم المتحدة بأنه تم تحديد المشاكل, وأيضا وضعت الحلول المناسبة لها.
أعلن الخبر على العالم اجمع, فسعد الجميع للنجاح فى تلافى أسباب صراع محتمل , قد يكون سببا للحروب بين الكوكبين. وبهذه المناسبة وتعبيرا عن التعاون المنتظر, تقرر إقامة مباراتين لكرة القدم التى يعشقها الجميع..واحدة على سطح الأرض, والأخرى على سطح القمر.
حان وقت بداية المباراة الأولى على سطح الأرص. ما أن ظهر الفريقين معا فى طريقهم الى أرض الملعب, دهش الجميع, سكان القمر يرتدون تلك البذلة التى يعرفونها لرجال الفضاء. وتساءل الكبير قبل الصغير:
"إن كانت تلك البذلة من أجل الحفاظ على عمل أجهزة الداخلية لرواد الفضاء
فوق سطح القمر, حيث أن الجاذبية هناك أقل الى الثلث منها على سطح
الأرض..وإذا كان هؤلاء المهاجرون من أصل الإنسان على الأرض, لماذا
إذن يرتدونها؟؟"
وهو التساؤل الذي فرض نفسه على المذيع وهو يتحاور مع أحد العلماء. فأجاب العالم بثقة وهدؤ:
"صحيح سكان القمر الآن من أصول الإنسان على الأرض, لكن أجسادهم الآن
وجيل بعد جيل بدأ يتكيف على جاذبية القمر..وبالتالي أصبحت الحياة على الأرض
الآن مستحيلة, ويجب أن يرتدى تلك البذلة الوقاية!!"
فورا انتقل المذيع للحديث مع أحد الخبراء فى الاتحاد الدولي لكرة القدم, سأله:
المذيع: لماذا مساحة الملعب أقل من المساحة التى نعرفها ؟
الخبير: حتى يتمكن سكان القمر اللعب لفترة أطول, نظرا لأن البذلة التى يرتدونها تعيقهم
بعض الشيء. كما يجب أن تعرف أننا عدلنا من زمن الأشواط وأصبحت نصف ساعة
فقط لكل شوط, وللسبب نفسه.
المذيع شكره, ثم طلب من الجميع الاستماع الى نشيد المحبة والسلام الذي يردده أفراد الفريقين, وقد ألفه أكبر شعراء الأرض.
ثم بدأت أحداث المباراة المنتظرة, كانت مفاجأة للجميع. فقد كانت الكرة أقل حجما, وأقل وزنا عن تلك التى يلعبون بها على سطح الأرض. وأعلن المعلق على المباراة أن السبب هو عدم قدرة فريق القمر على التعامل مع الكرة العادية, وأن الفريق وصل الى كوكب الأرض منذ أسبوعين , ومع ذلك لم يستطع التكيف على اللعب فوق أرضية الملعب المزروع "نجيلة" أو نجيلة صناعية "التى تسمى "ترتان".
وبعد مضى فترة قليلة بدأ اللاعبون يتساقطون. ما أن يصطدم أحدهم بزميل منافس له على الكرة, يسقط على الأرض ولا يتحمل الاصطدام!. ربما هذا هو السبب الذي تعاطف من أجله جمهور الملعب مع سكان القمر, وما أن أعلن الحكم عن ضربة جزاء لفريق القمر.. لم يغضب!!
أحرز فريق القمر هدفه, فارتفعت الحمية والتحمس عند أفراد فريق الأرض, ونال مرمى فريق القمر عشرة أهداف متتالية!. أحرز الأخير منها قبل نهاية المباراة بثوان قليلة..!
وتصالح الجميع على أرض الملعب, لكن كابتن فريق سكان القمر توعد جميع أفراد فريق سكان الأرض قائلا:
"نحن نتحداكم على سطح القمر قريبا!!"
...... ...... .......
بسرعة انقضت فترة استعداد فريق "الأرض" للعب المباراة الثأرية على سطح القمر مع أحفاد المهاجرين الأوائل .
كان التدريب شاقا وغير تقليدي. لم يكن أعضاء فريق الأرض يتدربون على الملاعب العادية التى يعرفونها. كانوا يتدربون فى مبان مغلقة ضخمة, الجاذبية فيها أقل من جاذبية الأرض, كما أن أرض الملعب ترابية, وكانوا يتدربون وهم يرتدون البذلة الخاصة برواد الفضاء!
وكلما فتر عزم اللاعبين من شدة الإجهاد يقف المدرب ويذكرهم بأن أعضاء فريق القمر يتحدون!
وكما التف سكان الأرض والقمر حول أجهزة التليفزيون لمتابعة المباراة الأولى, التفوا أيضا لمتابعة أحداث المباراة الثأرية.
ظهرت المذيعة هذه المرة وهى متحمسة ومنفعلة, وأعلنت عن انتقال الإرسال حالا الى سطح القمر, ثم طلبت دعوات سكان الأرض كلهم لفريقهم بالنصر المبين على فريق القمر الذي يلعب على ملعبه, ومتحمسا للثأر من هزيمة المباراة الأولى.
إلا أن الإرسال ظل معلقا حتى انتهت من تحية كل من شارك فى الإعداد لتلك المبارايات , سواء هيئة الأمم المتحدة على الأرض, أو هيئة الاتصال الكوني على القمر. ثم أشادت بالجهد الرائع الذي بذله العلماء والمهندسين والفنيين باللجان العلمية التى تولت تنفيذ الفكرة, حتى تحقق الحلم ونفذت المباراة.
ثم التقت بأحد العلماء وسألته عن سبب قلقه الواضح على وجهه, فأجاب:
"انه القلق الإيجابي, أريد أن تنفذ كل خطوة بنجاح تام"
إلا أن العالم توقف فجأة كي يطلب الإشارة الى حادثة هامة حدثت معه منذ فترة بعيدة. وافقته المذيعة وطلبت معرفة تفاصيل تلك الحادثة, قال:
"منذ عدة سنوات, كنت أرافق أحد المهاجرين الى القمر, وفى الطريق الى قاعدة
إطلاق الصاروخ , لمحت الحزن على وجهه, فسألته عن سبب ذلك, قال بصوت
منخفض:
"يا سيدي العالم, إننا نهاجر الى القمر من أجل تعمير هذا الكوكب, لكن ما أخشاه
أن تعتبروا هجرتنا هي النهاية ..نهاية العلاقة بيننا وبينكم على سطح الأرض"
فقلت له: "يوما ما سوف تتأكد أننا لم ننساكم, فأنتم الرواد وتستحقون كل التقدير"
وفجأة انتهى الحوار, وبدأ التليفزيون فى عرض أولى المشاهد على سطح القمر.كان اللاعبون من الفريقين وطاقم الحكام . بعد حوالي الدقيقة وصل صوت المعلق الرياضي والمذيع القمري أو أحد أحفاد المهاجرين الى القمر.
بينما ظهر لاعبو فريق القمر يرتدون الشورت والفانلة, مثل تلك التى يلعب بها فرق الأرض, كان فريق الأرض يرتدى البذلة الفضائية!
الجديد أن علق كل لاعب ما يشبه علبة صغيرة على صدره وظهره, وشئ يشبه الدخان ينطلق من ظهورهم, ومن شئ يحمله حكم المباراة!!. وأعلن مذيع القمر عن سر هذا الدخان, وأنه جهاز دفع خاص حتى يتمكن لاعبو الأرض من الحركة بل والجرى على أرض الملعب.
بدأت المباراة حماسية, وقوية كما توقع الجميع, وكانت المفاجأة أن أحرز فريق الأرض الهدف الأول !
وقبل أن ينتهي المعلق من شرح تفاصيل هذا الهدف المباغت السريع, كان رد فريق القمر بهدف سريع أيضا. ولم تمض دقائق وكان الهدف الثاني ثم الثالث..ولم يجد المتابعون على الأرض الا القول بأن هؤلاء المهاجرين تعودوا على الحياة على سطح القمر, وعلى هذا الملعب الترابي.
وبين الشوطين تساءلت المذيعة عن وقت إذاعة هذه المباراة, فرد الخبير بأنه فى نهار يوم عادى هناك, على الرغم من الظلمة التى تبدو على الشاشة. وتابع قائلا:
"يجب أن أخبرك أن الضوء يحتاج الى الهواء حتى ينتقل فيه ونشعر به,
وسطح القمر بلا هواء. لكن يجب أن يلاحظ الجميع مشهد قرص الشمس
الدائري فى أعلى الشاشة"
توالت أسئلة المذيعة, واستفسرت عن كيفية التصرف أمام تلك الضبابية الواضحة. فابتسم الرجل وأخبرها:
"حلت تلك المشكلة بأن استخدم العلماء مادة خاصة يطلون بها الكرة والملابس,
ثم الملعب, وغير ذلك. وهذه المادة يمكن أن تلتقطها عدسات الكاميرات المستخدمة."
قبل أن يبدأ المعلق الرياضي أحداث الشوط الآخر من المباراة, قال:
" ويسرني أن أخبر سكان القمر والأرض, أن المنطقة التى نلعب عليها الآن
بجوار جبل يسمى "جبل ناصر الدين"..وهى منطقة منبسطة وبلا جبال.
ويقال أنه اسم أحد علماء الفلك العرب أيام دولة الأندلس, وأعتقد أنه مبعث فخر
لكل العرب على سطح الأرض والقمر. والوثائق العلمية تؤكد أنه أول فلكي
تعرف على هذا المكان على سطح القمر, على الرغم من تواضع الإمكانيات
من أجهزة ومعدات مقارنة بزمننا هذا.
ولن أطيل عليكم, إليكم الشوط الثاني من المباراة الهامة, التي أجرز فيها
فريق القمر خمس أهداف حتى الآن."
وضح أن فريق الأرض تخلص من رهبة المباراة تماما, ومن أثر الهزيمة الثقيلة بالشوط الأول من المباراة, وإلا ما كان نجح فى إحراز كل تلك الأهداف!
كان هذا هو تعليق المعلق الرياضي, لكنه من شدة التحمس, صاح وزعق بشدة ,غاضبا..على الرغم أنه يعلم استحالة سماع صوته للاعبين!
وفى خطوة جريئة, تقدم المدرب واستبدل لاعب ثم ثان, وركز على الهجوم بلاعبين جديدين,
فتحقق له ما أراد ونجحا فى إحراز الهدف السادس ثم السابع..وهكذا حتى الهدف العاشر!!
انتهت المباراة وقد أحرز فريق سكان القمر الفوز, وثاروا لأنفسهم ومن الهزيمة التى لحقت بهم فى مباراة فريق الأرض.
وقبل أن يتركوا الملعب , تحدثوا إلى مذيعة التليفزيون يعربون عن سعادتهم, أولا لبدء التواصل مع أهاليهم من سكان القمر..ثم بالنتيجة التي أكدت تفوقهم وأنهم ليسوا أقل من سكان الأرض!!
zidane
07-14-2006, 12:35 AM
عفوا صاحب الموضوع تعب في إحضار الروابط لدى فهو محجوب و يتوجب عليك التسجيل
الليل والأطفال
بقلم الكاتب: آصـف عبد الله
من قديم الزّمان كان الليل حزيناً جداً، كان يسمع أطفالاً يقولون: "لا نحبّ الليل".
وآخرون يقولون: "الليل موحشٌ ومخيف".
والآباء والأمهات يحاولون إبعاد الخوف، دون جدوى ويطلبونَ من الأولاد الذّهاب إلى النّوم، فالليل مخصص للرّاحة والنهار للعمل، وتُطفأ الأضواء؛ فيظهر الليل خلف النّوافذ قاتماً يغطي كلّ شيء: الأشجار والبيوت، والشوارع، فيجزع الأولاد ويأوون إلى الفراش مكرهين، ودائماً يقولون:
ـ "الليل مخيف، نحن لا نحبّ الليل".
تجوَّلَ الليلُ كثيراً؛ حكى قصّته لكل من صادفه، قال لـه القمر:"لا تحزن يا صديقي، سأساعدك، وسيحبّك الأطفال".
فرح الليل حين سمع ذلك، وبعد مدّة أطلّ القمر وسطع ببهاء؛ سمع الليلُ الأطفالَ يقولون:
ـ "ما أجمل الليل في ضوء القمر!"..
ولكنّ القمر لا يستطيع أن يبقى طويلاً، وعندما ينتهي من عمله كان يذهب إلى مكان آخر ليبدأ عملاً جديداً؛ فيشعر الليلُ أنّ الأطفال عاودهم الخوف، وقبل أنْ يبحث عن حلٍ كانت النجوم تلمع في بحر السماء، والضفادع تنقُّ مغنيةً أجمل الأغاني، وكان يسمع صوت البومة وهي تتمتم:
ـ "الليل جميل ورائع، وأنتم أيها الأطفال جميلون فاذهبوا إلى الفراش".
صار الأولاد ينتظرون القمر، وبعضهم ينتظر النجوم فيبدأ يعدّها من نافذته حتى يغفو، وآخرون كانوا يسعدون بأغاني الضفادع وحكمة البومة، وعندما يذهبون إلى الفراش يبدؤون رحلة الأحلام.
zidane
07-14-2006, 12:37 AM
عفوا صاحب الموضوع تعب في إحضار الروابط لدى فهو محجوب و يتوجب عليك التسجيل
لو كنت حصاناً
عندما دخل سعيد إلى البيت، كان ملطخ الثياب بالوحل، وملوث الوجه أيضاً! نظرت أمّه إليه نظرة خاصة، فوقف مرتبكاً، قالت الأم:
ـ "ماذا فعلت بنفسك؟! هيّا إلى الحمام".
كان سعيد يكره الاستحمام كثيراً، وغالباً ماكان يهرب إلى اللعب، عندما يشعر أنّ موعد الاستحمام قد حان، فهو لا يطيق الصّابون؛ لأنّه يخرش عينيه، ويقرسه بقسوة.
وكانت أم سعيدٍ تصبر عليه وهو ينطّ ويصرخ:
ـ "لا أريد أن أستحم.. لا أريد لا أريد"…
والآن عرف أنّه لا خلاص من الاستحمام، بعد أن لوّث وجهه ويديه وملابسه بالوحل!…
دخل إلى الحمام وراح يحدث نفسه:
ـ "لو كنت حصاناً صغيراً أنط وألعب حيث أشاء، أنام فوق الوحل الطري، أجري بسرعة كبيرة، أقضم العشب الغضّ، لا تجبرني أمي على الاستحمام، فلا يدخل الصابون في عيني، لكن لا.. لا لا أريد أن أكون حصاناً، فالحصان الصغير سيكبر، وسيجرّ عربة، ويحمل الأثقال.
لقد رأيت حصاناً يجرّ عربة المازوت، والرجل يضربه بالسوط بقسوة! أنا لا أحبّ أن يضربني أحد!
لو كنت كلباً صغيراً… لا… لا… لا أريد أن أكون كلباً، بعض الأولاد يعذبون الكلاب الصّغيرة، يشدّونها من آذانها، ويجرّونها من أذنابها! لقد شاهدت كلباً جائعاً يأكل من الفضلات المرمية في مجمع القمامة.
أريد أن أكون نمراً قوياً لا أخاف من شيء….لا…لا…لا أريد… رأيت نمراً محبوساً في قفص في حديقة الحيوان، قال لي أبي: "لقد اصطاده رجل قوي ووضعه في هذه الحديقة". يمكن أن يطلق عليّ أحد الصيادين النّار فأموت… لا أريد أن أموت لا أريد".
دخلت الأمّ وسعيد مايزال واقفاً يحدّث نفسه! وكانت قد سمعت كل مانطق به منذ البداية…
قالت: "مابك أَلَمْ تخلع ملابسك بعد يا حصاني الصغير؟!"..
ـ "حالاً…حالاً يا ماما، لكني أخاف الصّابون، إنّه يكوي عينيّ".
قالت الأمّ مشجعة:
ـ "لا تخف.. هيّا أغمض عينيك وتصوّر نفسك حصاناً صغيراً لطيفاً، أو جرّواً مهذباً، لكن إياك أن تتصور نفسك نمراً ذا مخالب طويلة وحادة تخبّئ الأوساخ تحتها، وتخيف رفاقك بها، فينفضون عنك"..
خلع سعيد ملابسه، وأغمض عينيه بسرعة، رأى نفسه حصاناً صغيراً يجري بسرعة، ثمّ جرواً يلحس بلسانه يد أمّه، بينما كانت الأم قد غمرت جسده الطري برغوة الصابون كان سعيد يرغب أن يرى نفسه نمراً، وحين هَمَّ بتقليد صوت النمر، فتح فمه وعينيه، وشدّ أصابع يديه، صرخ بصوت قوي من لذع الصابون، وأطبق عينيه بقوّة؛ ضحكت الأم وقد قدّرت ماخطر لسعيد، فقالت بعد إزالة الصابون بالماء الفاتر:
ـ "هل رأيت نفسك نمراً؟"..
صمت ولم يجب، ثمّ فتح عينيه.. فركهما جيّداً، كان الماء منعشاً، سرّ سعيد وأخذ يلعب بالماء وتمنى أن يخرج إلى الساحة ليلعب مع رفاقه، ولم يرغب بعد ذلك أن يكون غير سعيد الإنسان، وتعلّم كيف لا يخاف من الصّابون!…
zidane
07-14-2006, 12:38 AM
عفوا صاحب الموضوع تعب في إحضار الروابط لدى فهو محجوب و يتوجب عليك التسجيل
نشوان وألعابه
جمع نشوان ألعابه، البطّة ذات العجلات، الكلب ذا الشعر الطويل والدّب صاحب معطف الفرو، والسَّيارة الحمراء والبيانو الصّغير.
قال نشوان لألعابه: "الآن، نحن أصدقاء، سأعلمكم الرّقصَ، ثم نحتفل بصداقتنا"..
قالت البطّة ذات العجلات:
ـ "أنا بطّة لا أعرف غير السباحة، ولا أحبُّ غيرها.."..
قال نشوان: "وهذه العجلات، ماذا تعملين بها؟"..
قالت البطّة: "أسابق بها رفيقاتي".
صاح الكلب ذو الشعر القصير: "وأنا أجلس هنا؛ أحرس أصدقائي، ولا أتقن غير ذلك…".
هزّ الدّب معطَفهُ الثقيل قائلاً:
ـ "وأنا لا أترك معطفي الثقيل؛ أخاف البرد كثيراً… ربما أصاب بالزكام".
أطلقت السيارة الحمراء صوتاً طويلاً من مزمارها: "وأنا جاهزة لإطفاء الحرائق…".
أمّا البيانو الصّغير فقد ظلّ صامتاً. قال نشوان:
ـ "وأنت يا صاحب الصّوت الجميل… ماذا تقول؟"..
ولم يقل البيانو الصّغير شيئاً… دهش نشوان من صمت البيانو، لكنه سرعان ما لاحظ مطرقتين صغيرتين جانب البيانو، أخذهما نشوان وطرق بهما طرقاً خفيفاً فوق صفائح البيانو الصغير فانبثقت أنغام عذبة، رقص الدّب والكلب ورقصت البطة، لكن السيارة راقبت سعادة أصدقائها بسرور، دون أن تطلق صوت مزمارها وبقي نشوان يعزف ألحاناً جميلة تبعث في النفس الفرح…
zidane
07-14-2006, 12:40 AM
عفوا صاحب الموضوع تعب في إحضار الروابط لدى فهو محجوب و يتوجب عليك التسجيل
ذات ليلة
اعتادت عبير أن تنام باكراً، وذات ليلة لم تستطع أن تنام، وبقيت جالسة في سريرها، كان أخوتها ينامون إلى جانبها، نظرت إليها بودّ وفي نفسها تساؤل عن النّوم وسرّه:
ـ "لماذا ينام النّاس؟.. ألا يستطيع المرء أن يبقى مستيقظاً؟"..
نظرت من النّافذة؛ كان القمر يسكب ضوءاً رائعاً!
قالت: "لماذا يسهر القمر كلّ الليالي؟"..
ولما لم تجد أحداً مستيقظاً في مثل هذه الساعة، أزاحت الغطاء عنها، بهدوء وغادرت الغرفة، فقد شعرت أنها بحاجة إلى قليل من الماء، تسللت على رؤوس أصابع قدميها؛ حتى لا تزعج أحداً، لكنها دهشت حين وجدت أمّها جالسة تنسج الصوف، فسألتها:
ـ "ماما.. لماذا لم تنامي بعد…؟."…
قالت الأمّ: "شعرت أنّني لا أستطيع النوم، فجلست لأكمل هذه "الكنزة"…".
عادت عبير إلى فراشها وبدأت تكلّم نفسها:
ـ "القمر يسهر، يسكب ضوءه ليرشد الناس في الدروب البعيدة، ويسلّيهم لينسوا تعبهم"…. أمي تسهر لتنسج الصوف وتمنحنا الدّفء… وأنا أسهر وحيدة أفكّر في هذه الحياة الجميلة".. نامت عبير في ساعة متأخرة.. نامت نوماً عميقاً وحلمت أحلاماً جميلة…. وفي الصَّباح جاءت الأمّ ومسحت بيدها اللطيفة وجهَ عبير… فتحت عبير عينيها، كانت أمُّها تبتسم لها وتدعوها لتتناول الفطور، فالوقت يمرّ بسرعة.. نهضت عبير، نظرت من النّافذة، كانت الغيوم تغطي وجه السماء.. يبدو أنّ الشتاء يطرق الأبواب.
تذكّرت ليلة البارحة، السماء الصافية بنجومها اللامعة، وقمرها الواسع المنير…
قالت الأم: "الطقس تغيّر بسرعة، إنّه يميل إلى البرودة، لا تخرجي قبل أن ترتدي (كنزتك) الجديدة، عرفت عبير أنّ أمّها سهرت الليلة الماضية من أجل إنجاز هذه (الكنزة)!! كم كانت (الكنزة) جميلة!!
لبست عبير كنزتها الجديدة، نظرت في المرآة، ابتسمت وتمتمت:"كم أنت جميلة يا كنزتي!"لكنها لم تنس أن تشكر أمّها.
أشرق وجه الأم وهي ترى ابنتها ترتدي الكنزة، وفي المدرسة بدا التلاميذ يزهون بملابسهم الصوفية الجديدة، لم تقل عبير هذه المرّة: "كم أنت جميلة يا كنزتي!".. بل قالت:
ـ "كم هي جميلة أيدي الأمهات التي حاكت هذه الكنزات، وأدركت أنّ كلّ الأمهات يسهرن مع القمر يصنعن شيئاً جميلاً…
zidane
07-14-2006, 12:41 AM
الأقـوى
بقلم الكاتب: د. موفق أبو طوق
أربع سمكات ذهبية، وثلاث وردية، واثنتان حمراوان، وواحدة زرقاء..
جميعهنّ يسْبَحْنَ في حوض كبير، مياهه نقية لا تشوبها شائبة، وهواؤه دائم التبديل.. تغذّيه فقاعة هنا وفقاعات هناك!.
وعلى قاعٍ مفروشٍ بالحصى؛ استقّرت قوقعة جميلة، تفتح فاها بين حين وآخر، وإلى جانبها ناعورة لطيفة.. تدور وتدور من غير توقّف!..
* * *
كانت السمكات العشر يعشْنَ في هدوء وأمان، فلا شيء يعكّر صفوهنّ، أو ينغص حياتهنّ... كنّ متفاهمات في كل أمر، لا يتخاطَفْنَ الطعام الذي يُلقى إليهنّ، ولا يتزاحَمْنَ على الأماكن القريبة من الزجاج الشفّاف، ولا تعتدي إحداهن على الأخرى مهما يكن الخلاف في وجهات النظر!.
كل شيء على ما يرام.. بل؛ كان على ما يرام!. إلى أن جاء صاحبهّن (عماد) ذات يوم، وألقى سمكةً جديدةً في الحوض؛ أتمّت عددهن إلى إحدى عشرة.
كانت السمكة الجديدة سوداء اللون، كبيرة الحجم، تفوق في حجمها حجم اثنتين معاً!. وكانت شرسة الطباع، تهوى الإيذاء والاعتداء، لا تقنع بالقليل؛ ولا ترضى إلا بأكبر حصّة من كل شيء!!.
يُلقى الطعام.. فتسبق الأخريات إلى التهامه، ولا تُبقي لتلك السمكات المسكينات غير النزر اليسير!.
ولا تكتفي بذلك؛ بل تحول بينهنّ وبين مواضعَ تستأثر بها وتحرّمها على غيرها.. ثم لا تنفكّ تلطمهنّ بذيلها القوي، وتدفعهن بزعانفها الكبيرة، وتخدش أجسادهنّ بتلك النتوءات التي تملأ فمها المستدير!!.
وعلى الرغم من أن السمكات أحسنّ ضيافتها، وحاولنَ إكرامها وإسعادها.. إلا أنها أصرّت على مواقفها المزعجة وتعاملها السيء.. وهي تردد على مسامعهن دائماً وبكل وقاحة:
- ابتَعدْنَ عن طريقي.. أنا الأكبر والأقوى.
- دعْنَ الطعام لي.. أنا الأكبر والأقوى.
- إياكنّ وغضبي.. فأنا الأقوى، الأقوى، الأقوى!!.
***
ومرت الأيام، والسمكة السوداء تزداد صلافة وشراسة، والسمكات الأخريات يزدَدْنَ ضعفاً وخوفاً.. وكنّ كثيراً ما يلجأن إلى السمكة الزرقاء... لأنها أقدمهنّ عهداً وأكثرهنّ حكمة.. كنّ يطلبْنَ منها المساعدة والنصيحة، فتنظر إليهنّ بإشفاق، وتتمتم بكلمات قليلة لا تزيد ولا تنقص:
- انتظرْنَ يوم التبديل.
ولم تدرك السمكات الصغيرات ما تقصده الزرقاء!!.. مع ذلك لم يتوقّفْنَ عن استعطافها، خاصة عندما تمعن تلك الكبيرة في إيذائهن، فتكرّر قولها نفسه:
- ترقّبْنَ يوم التبديل!.
وعندما أصرّت السمكات على معرفة ما تعنيه هذه الكلمات؛ أضافت:
- يومئذ.. يعرف كلٌّ منا حجمَه وقوّتَه!!.
***
جميعهنّ ينتظرنَ ذلك اليوم، وهنّ -في الوقت نفسه- لا يعرفْنَ ماذا سيجري!!.
وجاء يوم الجمعة، وأقبل عماد كعادته كي يبدّل الماء القديم..
فتح مصرفاً في أسفل الحوض، فتدفق الماء خارجاً، وبدأ مستواه يهبط شيئاً فشيئاً.
السمكات جميعاً -باستثناء السوداء- اعتدْنَ هذا الأمر، فهو يتكرر كل أسبوع، وعماد يترك لهن في أسفل الحوض ما يكفي من الماء، ريثما يمسح -هو- الزجاج، وينظف الحصى، ويدلك القوقعة والناعورة.
ينخفض الماء أكثر فأكثر، والسمكات الصغيرات لا يأْبَهْنَ لذلك.. السمكة السوداء وحدها بدأت تشعر بالقلق!.
أدركت أن أمراً غير طبيعي يجري هنا... أمراً لم تعتد عليه ولم تره من قبل!!. لقد هبط الماء حتى وصل إلى زعنفتها الظهرية، بل ها هو ذا ينزل وينزل حتى يلامس ظهرها المقوّس، آه.. ضحالة الماء لا تليق بحجمها الكبير، غلاصمها لا تجد كفايتها فيما يغمرها منه!.. تكاد تختنق، تجد صعوبة بالغة في التنفس، تميل بجسمها علّها تبقى تحت سطح الماء، تشعر بالخوف الشديد!!. أنقذْنَني أيتها السمكات العزيزات.. أنْقذْنَني!. تلطم بذيلها القاع، تضرب بزعانفها الحصى، ارتطامها يزداد أكثر فأكثر.. أنقذنني، أنقذْنَني.. إني أختنق!!!..
***
السمكات الأخريات يسبَحْنَ بحريّة، يتنفّسْنَ بيسْر، فالماء المتبقي ملائم لأحجامهن الصغيرة!!. لكنهن عندما أحسَسْنَ بما تعانيه زميلتهن الكبيرة، نسين كل ما فعلته، وتغاضين عن إساءتها، وأسرعن إلى فتحة المصرف يحاولنّ سدّها بأجسامهن الصغيرة!. لكن محاولتهن باءت بالفشل، فالماء يتسرّب بسرعة، ويكاد يلحق بهنّ أذى.
وطال الوقت، وعماد منهمك في تنظيف الحوض، غير آبه بالسمكة التي أشرفت على الهلاك.. في اللحظات الأخيرة؛ فطن إليها.. أسرع في سكب الماء، فارتفع مستواه وعادت السمكة ثانية إلى حركتها الطبيعية، وهي تلهث.. بعد أن أعياها التعب، وهدّ قواها الخوف.
***
ومنذ ذلك الحين، والسمكة الكبيرة تعامل الأخريات أطيبَ معاملة، فقد تلقّت درساً لن تنساه، درساً علّمها حقائق الحياة..
فهل عرفتم هذه الحقائق.. أيها الأصدقاء الصغار!!
zidane
07-14-2006, 12:43 AM
حكاية المهر"دحنون"
بقلم الكاتب: موفق نادر
منذ أن ولد المهر الأحمر امتلأت الدار بالفرحة وكأنَّ عرساً يدور فيها، فكنت ترى الناس يروحون ويجيئون، وكلهم يريدون أن يروا هذا المهر الذي يشبه لون زهر"الدحنون" فعلاً ذلك الزهر المعروف جداً في سهول فلسطين، حتى أن الشمس لحظة شروقها على تلك السهول تبدو واحدة من زهور الدحنون الحمراء!
قال أبي: نسميه دحنون
ومن يومها كلما سمع اسمه رفع أذنيه، وأرهف السمع، شاعراً بمحبة الناس له وبخاصة الصغار، فكان يقترب منهم ويبدأ يشم أصابعهم الصغيرة بفمه الدافئ. وهم يربّتون على غرة بيضاء في جبينه، ويمسحون شعر عرفه الأشقر.
مرة، حينما رأى أخي الصغير يتدحرج فوق المرج الأخضر جاء المهر"دحنون" وانبطح إلى جانبه وهو يصهل وكأنه يقول: هيا نكمل اللعبة!
هكذا بدا لنا جميعاً أن المهر أليف وقريب إلى قلوبنا جميعاً حتى أننا أحسسنا بغيابه حين كان يرافق أمه إلى الحقل أيام الحراثة فننتظر عودته بشوق ولهفة!
كنا نراه يمرق من أمامنا مثل سهم ثم يعود ليتوقف قليلاً بالقرب منا، وقد ينحني ليقضم خصلة من العشب النامي قرب الجدار، ثم يرفع رأسه فجأة وينطلق راكضاً وكأنه يرقص منقّلاً قوائمه بأسلوب غريب لا تتقنه إلاّ الخيول الأصيلة!
وقد سمعت أبي يشهد أن هذا المهر الرائع ينتمي إلى سلالة أصيلة فعلاً ثم راح يسمّي عدداً من أجداد"دحنون" ويذكر أسماء الفرسان الذين خاضوا حروباً قاسية على صهوات تلك الخيول الرائعة ضد العدو التركي ثم الإنجليزي أيام الثورات التي مضت.
لكن، يا بني-قال أبي- كم تغيّرت الأحوال: وظروف العمل فرضت علينا أن نروّض هذه الخيول الأصيلة لتساعدنا في أعمالنا الزراعية، هذا محزن حقا ولكن أعتقد أنه لا حيلة لنا!
وروى أبي كيف أن فرساً من هذه الخيول، بيضاء مثل حمامة، حين سقط فارسها في مواجهة مع المحتلين الإنجليز عند إحدى قرى الجليل، حاولت أن تنهضه، فراحت تلمس صدره بفمها، وحين شعرت أن حرارة الروح قد فارقت جسده، وأنه لن ينهض بعد وقفت عند رأسه وبدأت تذرف الدمع!
نعم، حين وصل الناس رأوا ثياب الشهيد مبللة بالدم ثم بدموع فرسه الأصيلة.
شيء واحد كان يبدو غريباً لنا هو أن هذا المهر تتغير ملامحه سريعاً، فقد بدأ وبره الناعم كالزغب يتساقط بعد شهور قليلة من ولادته ويظهر تحته شعر خشن لامع يجعل لونه أكثر سطوعاً.
وصارت قوائمه تطول حتى صار صعباً على بعضنا أن نلمس ظهره الممتلئ، وما عدنا نتجرّأ على أن نقترب منه كثيراً، فقد صار لعبه أكثر خشونة من قبل، وكنا نخشى أن يدوس أرجلنا بحوافره التي غدت قاسية جداً.
لكن هذا كله لم ينقص من حبنا له وتعلّقنا به، وهو يشعر بذلك حتى أنه صار يترك أمه فلا يبقى ملتصقاً بها كظلها، ويتبعنا إذا ناديناه حين نذهب إلى الكرم القريب أو البيدر فيبدأ ركضه وإظهار براعته ذهاباً وإياباً، وكلما مرَّ بنا صهل وحمحم وكأنه يقول: هل ترون قوتي؟!
وأكثر ما كان يبهج"دحنون" على ما يبدو هو موسم الحراثة وبخاصة أرضنا التي في سفح التل، فما إن يصل الموكب المؤلف من أمه وعدة الحراثة إلى هناك، ويرى الأرض الممتدة حوله حتى يبدو في أقصى فرحته ونشاطه، فيبدأ الركض في كل اتجاه، وكم يفرحه أن يرى الكلب يهرب أمامه فيزيد من سرعته حتى يوشك أن يدوسه فيملأ قلبه بالرعب ويعوي مذعوراً وهو يقذف بنفسه خلف شجيرة أو صخرة.
وسألت أبي مرة:
ألا يتعب"دحنون" من كل هذا الركض؟!
فابتسم.. : يا بني، الخيول العربية مخلوقات قوية، وهي تحتاج إلى الحركة والنشاط لتنمو أجسادها جيداً، فيظل عندها رغبة للانطلاق والجموح!
حين جلس أبي عند المصطبة في المساء قال لأمي:
أنا سعيد جداً بهذا المهر، إنه يبدو قوياً متين البنية وأريده أن يحلّ قريباً مكان أمه التي بدأت تهرم ويحب أن ترتاح، إنَّ أرضنا العالية تحتاج حراثتها إلى حصان قوي وأعتقد أن"دحنون" هو ذلك البطل!
- ولكن، هل تعتقد أن ترويضه سيكون سهلاً؟
إنه يبدو متوحشاً جامحاً مثل حصان برّي!
- طبعاً، ليس الأمر سهلاً: أتنسين كم صبرنا على عناد أمه يوم بدأت الحراثة؟ أتذكرين كم من المحاريث حطّمت؟! فلابد من الصبر على كل حال.
منذ الموسم القادم سأبدأ تدريبه، لكن ليس هذا ما يشغل بالي إنني مستعدّ أن أروّض كل خيول الأرض، نعم، كلها، أهون عليّ من أن يحدث ذلك الذي أخشاه!
- لقد أقلقتني، قالت أمي، هل حدث مكروه؟
- ومن غيرهم، أبناء الشياطين.؟! بالأمس وصلوا بسياراتهم المصفحة حتى حدود كرمنا. ثم جرّوا أسلحتهم حتى قمة التلة وهم يتلفتون مثل المجانين ويسألون كلّ واحد من أصحاب الأراضي أن يريهم أوراق ملكيته لأرضه.
- هكذا إذاً؟!
- وأنت تعرفين بقيّة الحكاية، يأتون بجرّافاتهم، ثم المواجهات والدم!
- لكن ألم يكفهم ما نهبوه من البيوت والأراضي، أين قرانا التي كانت بالأمس فقط تملأ السفوح؟ وفجأة صارت مستوطنات لهم ولنا فقط فوّهات الرشاشات والتعذيب.. يا إلهي..!
- الحمد لله على كل حال، أيّ يوم يمرّ فلا نشيّع فيه شهيداً؟
حتى صارت قبور الشهداء أكثر من أشجار البرتقال في جبال الجليل وسفوح يافا!
لم يكن"دحنون"، الذي كبر ورغم ذلك ظللنا ندعوه مهراً، لم يكن مشاكساً وعنيداً جداً، كما توقعنا، عندما شُدَّ إلى المحراث أول مرة، صحيح أنه رفس الأرض بقائمته حين وضعنا النير حول عنقه، وهزّه بقوة يريد أن يسقطه ليظل حرّاً كما اعتاد لكن أبي ربّت على عنقه. ومسح جبينه وراح يقبلّه بين عينيه وهو يقول له مثلما يهمس لصديق حميم:
إهدأ يا مبارك، هُسْ يا أصيل!
أتعتقدون أن"دحنون" يفهم كلامنا؟! فقد راح المهر ينقل بصره بيننا وبين أمه التي كانت ترعى العشب في طرف الحقل القريب، وحينما صهلت ونظرت إليه، حمحم واستكان سائراً وراء أبي، بينما أمسك عمّي بالمحراث وراح يسنده بخفّة ويوجهه محاولاً منع السكة أن تنغرس عميقة في الأرض.
لقد كان أبي سعيداً جداً بهذا الحصان الفتيّ القوي وهو يرى عضلات صدره تكشف عن بنيته الصلبة وقدرته الأكيدة!
لكن الحصان رغم هذا المظهر لم ينس ميله إلى اللعب، فقد ظلّ إلى الآن كلما رأى طفلاً صغيراً مدَّ عنقه الطويل وراح يتمسّح به ويداعبه، فكان الصغار لا يخافونه أبداً، ويحبّون جداً الاقتراب منه، حتى كان أبي يضطر أحياناً إلى أن يبعدهم عنه صائحاً:
احذر يا ولد! هيه أنت ابتعد دع الحصان يأكل ألا ترى أنه متعب؟ الآن فقط انتهى من الحرث!.
شيء واحد كنّا نخشاه، ونحسب له ألف حساب، رغم أنه كان متوقعاً في أية لحظة، هو أن يجيء الصهاينة الجنود إلى كرمنا بينما"دحنون" موجود هناك!
لقد كان هذا المهر منذ صغره يذعر كلما رأى أحداً منهم أو لمح واحدة من سياراتهم فيبدأ الركض حتى يغيب عن الأنظار، ولا يعود إلاّ بعد ذهاب الجنود الأعداء، ولكننا لم نفطن إلى أنه ينفر منهم كل هذا النفور إلاّ بعد أن كبر فصار يجنّ جنونه عند رؤيتهم فيبدأ ينخر ويحمحم، ثم يدور في مكانه أو يقف على قائمتيه الخلفيتين صاهلاً صهيلاً مخيفاً، حتى أن جندياً صهيونياً شاباً، يضع نظارة سميكة حينما رأى الحصان هكذا ما عاد يفعل شيئاً وقد جمد في مكانه لحظات ثم قفل عائداً إلى السيارة المصفحة وهو يقول: عربي!!
كلما مرّ الجنود بكرمنا في سفح التل كان لابدّ أن تحدث مشكلة، ولهذا فقد كان أبي دائماً يحذر أن يحدث ذلك بينما"دحنون" مشدود إلى المحراث، فأوصانا أن نخبره قبل وصول الجنود ليسارع إلى حلّ المحراث عن الحصان وأخذه بعيداً عن الأنظار إلى زاوية من زوايا الكرم حيث تنمو الأعشاب البرّية التي يحبّها جداً، ويبدأ بقضمها بشهية واضحة منذ وصوله إليها، فلا يرفع رأسه إلاّ إذا سمع صوتاً مباغتاً كأنْ يزقزق عصفور في الشجرة القريبة، أو ينبح كلب في الكرم المجاور، فيرهف الحصان أذنيه لحظة ثم يعود ليأكل من العشب مطمئناً.
كل هذه الأشياء تبدو بسيطة، بل عادية، أما أن يجعلنا"دحنون" نذهب إلى قيادة"البوليس" وأن نتعرّض للسجن وزمجرة رجال الشرطة وتهديداتهم الوقحة، فهذا لم يخطر لنا ببال! وأكثر من ذلك أن أبي أمضى شهوراً طويلة في السجن قبل أن يستطيع المحامي أن يجعلهم يفرجون عنه بعد دفع مبلغاً كبيراً من المال كل ذلك يبدو قريباً إلى الخيال رغم أن الصهاينة يسجنون العرب بسبب ومن غير سبب، ومع ذلك يبقى الذي حدث غريباً جداً!
كان صباحاً رائعاً من أيام الربيع، رطباً حتى أن غمامات راحت تنتشر قريبة من الأرض، فتملأ زوايا الكروم والبيارات بجوّ منعش من برودة الصباح، راحت هذه الغيمات، تنثّ رذاذاً ناعماً كان يلمس وجوهنا وأيدينا برقة قبل أن تصعد الشمس من مخبئها وراء الأفق فتغسل الأرض والأشجار بنورها البهيّ.
وكان أبي منذ الفجر قد خرج بالحصان، فشدّ إليه المحراث وبدأت الخطوط الحمراء الزاهية تزداد سريعاً بين أشجار البرتقال والزيتون، ومن بعيد كنت تسمع صوت أبي وهو يوجّه الحصان: "دحنون" ثلمك! أو عشت دحنون، الله يعينك" ثم تسمعه ينشد مقاطع من أهزوجته المحبوبة التي يغنيها بصوته القاسي دائماً كلما راح يحصد الغلال أو يحرث الأرض أي حينما يشعر أنه يتحد بهذه الطبيعة الرائعة، طبيعة أرض الآباء والأجداد. وحينما كان يصلنا صوته وهو يردد:
" يا ديرتي ما لكْ علينا لومْ.. لا تعتبي لومكْ على من خانْ"
نشعر أن الحقول تردد صدى صوته الحزين دفعة واحدة.
لم يستطع أبي ذلك اليوم أن يميّز وسط الضباب أو يرى الجنود القادمين، ولم يسمع كذلك هدير السيارة المصفحة التي تركوها عند أول السفح، وما كان أحد منّا قادراً على أن يصل إلى أبي ليحذره ليسارع إلى حلّ عُدّة الحرث عن الحصان!
فما أحسّ إلاّ والجنود يحيطون به وهم يتمنطقون برشاشاتهم، بينما اعتمروا خوذاً مكسوّة بقماش مموّه بألوان كثيرة تشبه أرضاً مفروشة بزهر مهروس، فبدوا وكأنهم ذاهبون لاحتلال جبهة من جبهات القتال:
ارتعش قلب أبي فجأة حين رآهم، وشدّ بكلتا يديه على الحبل الذي يوجّه به الحصان علّه ينقذ الموقف!
لكن الوقت على ذلك كان قد انتهى، ففي لحظة كرفّة الجفن كان"دحنون" قد قفز إلى الأعلى واقفاً على قائمتيه الخلفيتين ثم بدأ يرفس الهواء، ثم يهبط ويرمح مرةً، مرتين.. فإذا المحراث يتفكك ويتطاير قطعاً رغم أنه من الخشب القوي!
كان صوت صهيله يملأ البرية فيبدو مخيفاً مثل ذئب ضخم شرس حتى أن الجنود سارعوا إلى الاختباء خلف الأشجار البعيدة لكن هذا لم يُرضِ الحصان الغاضب فانفلت يركض بين الأشجار، يدور ويدور وكأنه يطارد أشباحاً لا نراها..
ثم غاب فجأة حتى أن قائد الدورية تجرّأ وتقدّم من أبي ثم راح يسأله أسئلته المعتادة وهو يشير ببندقيته نحوه، لكن عينيّ الضابط الصهيوني ظلّتا تنظران إلى الجهة التي غاب فيها الحصان وكأنه يخشى شيئاً لا يعرفه.
وقد كان ظنّه صادقاً فقد ظهر "دحنون" قادماً مثل السهم، وقبل أن يهمّ الضابط بالعودة إلى مخبئه خلف الشجرة كان يعلو في الهواء ويطير الرشاش من يده حين صدمه الحصان برأسه وكأنه أحسّ الخطر الذي يتهدد صاحبه.
سقط الصهيوني مرتطماً بالأرض بلا حراك فبدا وكأنه كيس من القنّب، وسمعنا صوت تلقيم الرشاشات من خلف الأشجار لكن الحصان طار مثل عاصفة حمراء وغاب خلف الربوة، ولم يستطع أحد من الجنود أن يصيبه ولو بطلقة من رصاصاتهم الكثيرة التي صُوّبت إليه، ومعها انخلعت قلوبنا خوفاً!
وهكذا انتهت الحفلة، غاب الحصان، واقتيد أبي إلى السجن بتهمة أنه علّم الحصان أن يكره الصهاينة، وصار المحراث حزمة من عصيّ عدنا بها إلى البيت مساءً.
ومن يومها أُضيفت مهمة جديدة إلى جنود الدوريات فصاروا، إضافة إلى بحثهم عن الفدائيين وعن الأطفال من راجمي الحجارة، صاروا اليوم يسألون عن الحصان حتى أنهم حفظوا اسمه فكانوا كلما جاؤوا يبدؤون بسؤال غريب مضحك:
هيا قولوا أين"دخنون"! ثم يروحون يقلبون الأثاث ويبحثون كما لو أنه قطعة حلوى يسهل إخفاؤها.
ولكن الحصان لم يعد حتى الآن، وأبي بعد أن عاد من سجنه الطويل حدّثنا إنه في ليالي الشتاء المظلمة كان كلُّ مَنْ في السجن يسمعون صهيلاً يملأ الجوّ. فيتراكض السّجانون والجنود، ولكنهم لا يجدون شيئاً، أما نحن فلا نزال حتى اليوم، وكلّما حلَّ الربيع، وامتلأت السفوح بزهور الدحنون الحمراء نهمّ لنجمع منه باقات كثيرة لكن دوريات العدد المنتشرة كانت تصادرها منا ونحن نسمعهم يقولون: "دخنون" ممنوع!
zidane
07-14-2006, 12:44 AM
حديقة الألحان
بقلم الكاتب: خير الدين عبيد
فكّت أنغام جديلتها، أطفأت المصباح، واندسّت في فراشها، كقطّة صغيرة. في المنام، رأت نفسها في حديقة بيتها، فجاءها طائر الكروان، وحطّ على شجرة الورد ثمّ شدا قائلاً:
- مرحباً أيتّها الحلوة، ماذا تفعلين في الحديقة؟
نظرت أنغام حولها، فشاهدت على شجرة الورد، طائراً ذا ريش ملوّن جميل ابتسمت له وقالت:
- أنا آكل البوظة، تفضّل، الحس، إنها لذيذة ومدّت إليه يدها.
-شكراً لكِ، الثلّج يؤثّر على حنجرتي، وأخشى أن يبحّ صوتي.
- إذا سمحت، غرّد قليلاً، أنا أحبّ صوت الطيور.
حرّك الكروان حنجرته، وشدا، فتمايلت أغصان الوردة طرباً، صفقت أنغام ناسية البوظة فسقطت على الأرض، وذابت.
توقف الكروان، وقال:
- أأعجبك تغريدي؟
-الله... إنه رائع، ولكن أين تعلمت الغناء؟
- تعلمته في حديقة الألحان!
- وهل أستطيع أن أتعرّف إليها؟
- بالتأكيد... إنها حديقة رائعة.
ثمّ رفع الكروان رأسه إلى السّماء، وشدا بصوت عال، فجاء سرب من الكروان، يحمل سلّة قشّ صغيرة، مربوطة بخيوط ملوّنة، وقد أمسك كلّ كروان طرف خيط بمنقاره.
هبطت الكراوين بالسّلة، نطّت أنغام وجلست فيها، بينما وقف صديقها الطائر على كتفها، ثمّ طرن بها نحو السماء.
شاهدت أنغام أطفالاً يلعبون على أسطحة البيوت، كانوا صغاراً كالدمى بينما بدا النهر مثل خيط أزرق.
مرّ السرب على غيمة بيضاء، فحاولت أن تكمش بيدها قطعة صغيرة، لكنّها لم تستطع، لأن ذرّات البخار، كانت تفرّ من بين أصابعها، كالماء.
وصل السرب إلى الحديقة، أعطى الكروان أوامره بالنزول، فهبطت، قفزت أنغام من السلّة شكرت الكراوين، وسارت نحو مدخل الحديقة.
كانت حديقة الألحان، مسوّرة بأعواد القصب الصفراء، بينما كان الطريق مفروشاً بأزاهير بيضاء، أمّا الأزاهير الحمراء، فقد شكلّت خمسة خطوط متوازية.
سألت أنغام الكروان:
- ما هذه الخطوط، أيّها الصديق؟
- إنها المدرج الموسيقي!
دخلا الحديقة، فرحت الأشجار واهتزّت مصدرة أصواتاً حلوةً ناعمة.
رفعت أنغام عينيها، فشاهدت أعداداً كبيرة من الأجراس، معلقة على الأشجار، سألت دهشةً:
- لماذا تحمل الأشجار أجراساً؟
ابتسم الكروان وقال:
- لكي تشارك الطيور في ألحانها.
وصلت أنغام إلى ساحة الحديقة، والكروان ما يزال يقف على كتفها، فتوقفت فجأة أمام نصب كبير، له شكل غريب، التفتت إلى صديقها وسألته:
- ماهذا الشكّل؟
- إنه مفتاح صول!!
جلست أنغام على مقعد خشبي، وراحت تتأمّل بإعجاب، ذاك المفتاح الجميل. فجأة، سمعت صوتاً حزيناً، كصوت أمّها، ينبعث من ورائها، التفتت نحوه فشاهدت آلة الكمان، تقف على حافة بركة ماء، تحرّك قوسها فوق أوتارها وتصدر لحناً شجيّاً.
طار الكروان إليها، وقف على قوسها، وسألها مستفسراً:
- لماذا تعزفين بمفردك يا صديقي...
أين العود والطبلة؟
تأوّهت الكمان، وأجابت:
- في الصباح، عندما طرتِ إلى المدينة، جاء العود وأهانني!
- العود؟!
- نعم.. اتهمّني بأن زندي قصير، وأوتاري أربعة، بينما يملك هو خمسة أوتار.
- وماذا أجبته؟
- قلت، إن الإبداع لا يتعلق بكثرة الأوتار وقلّتها، فأنا أصدر طبقات صوتية عالية، لا يستطيع غيري، وإن كان له ستة أوتار، أن يصدرها. تنهّد القوس قائلاً:
- واللّه، أيّها الكروان الحبيب، لو لم تمنعني الكمان، لألهبت ظهر العود ضرباً.
نظر الكروان إلى القوس، وقال:
- لا يا قوس، يجب ألاّ نقابل الإساءة بمثلها.
ثمّ طار الكروان، واختفى بين الأشجار، وبعد مدّة قصيرة، عاد بصحبة العود والطبلة.
اعتذر العود من صديقته الكمان، وأهداها ميدالية، على شكل مفتاح صول صغير.
دقّ قلب الطبلة، وأصدرت ضربات فرحة، ثم قالت:
- لن تختلفا بعد اليوم، فأنا سأضبط إيقاعيكما.
عزفت الآلات، وشدا الكروان.
اهتزت الأجراس، حام الفراش، وزقزقت العصافير.
فتحت أنغام عينيها، نظرت حولها، فلم تجد الحديقة، لكنّ صدى الألحان بقي يرنّ في أذنيها الصغيرتين.
zidane
07-14-2006, 12:46 AM
حكاية يعرب
يعرب رجل أسمر اللون، طيب القلب، مفتول الساعدين جمع بين القوة والحكمة... الفروسية والكرم والشعر والشهامة هي بعض صفاته الكريمة. عاش عهد شبابه الأول في بادية رحبة الأرجاء تمتد فلا يجد الطرف لها نهاية، إلا حيث يخيل للرائي أن السماء انحنت حناناً وشوقاً لتعانق الآفاق وتبثها الصفاء والألق.
عاش يعرب فترة طويلة يرعى الغنم والإبل، يجوب أرض بلاده الواسعة طلباً للماء والعشب، يرافقه السيف والرمح والرباب. يقاتل حين يمسه الضيم ويقاتل حين يمسه الجوع ويغني حنيناً إلى الأماكن التي أمضى فيها بعض الوقت وألفها أو كانت لـه فيها ذكريات جميلة.
كان يحل بأطراف البادية فتزدهر المدن وتعلو السدود وتسمق الأبراج وتُعلّقُ الحدائق وتصير إحدى عجائب الدنيا. ولم تكن أمجاده في البادية أقل شأناً من أمجاده عند أطرافها. وعلى الرغم من امتداد البادية لم ينعزل فيها عن بقية أرجاء العالم.
لقد أطمع موقع أرض يعرب الهام وغناها الفائق الكثيرين من الأعداء بها فحاربوه حروباً كثيرة. كانت قوى يعرب موزعة بين أرجاء البادية وربوع أطرافها... فما أن يمسه الأذى حتى يجمع تلك القوى فتصير باتحادها قوة خارقة تدحر الأعداء والطامعين وترد كيدهم إلى نحورهم.
وأدرك الأعداء سر قوة يعرب فعملوا على تقطيع أوصال أرضه وإقامة الأسوار المنيعة بين أقطارها. وكانوا في كل معركة يشنونها ضده يظنون أنهم قضوا عليه القضاء المبرم. ولكنهم كانوا في كل مرة يصابون بخيبة الظن. فما كانت كل قواهم الشريرة تقدر على القضاء عليه. فقد ضربت جذور يعرب الفتية عميقاً في تربة بلاده وكانت هجمات الأعداء عليه مثل هجمات الرياح التي تهز الشجرة القوية لتقتلعها فتضرب جذورها عميقاً في الأرض وتزداد رسوخاً.
جاءت إحدى الساحرات إلى أعداء يعرب وأخبرتهم أنهم لن يستطيعوا القضاء عليه ما لم يعرفوا سر قوته الحقيقي والتمكن من ضربه.
وسألها الأعداء:
ـ وما سر قوته الخارقة؟
قالت الساحرة:
ـ سر قوته الخارقة هو قلبه الكبير النبيل. أنتم تقطعون بعض الجذور التي تربطه بأرضه فيدفع قلبه الدم النقي الحي فتنبعث آلاف الجذور.
سألها الأعداء:
ـ وماذا نفعل كي نقضي على ذلك القلب؟ وأين أخفاه يعرب؟
قالت الساحرة:
ـ تقول الكتب القديمة إن الفتى يعربا قد أحب فتاة اسمها دمشق فأهداها قلبه الكبير وأطلق اسم تلك الحبيبة على مدينة مجيدة.
قال أحد شيوخ الأعداء:
ـ إذاً، أنت تظنين أن قلبه الكبير الذي يمد جذوره بالدم الحي موجود في دمشق؟
قالت الساحرة:
ـ ليس الأمر مجرد ظن بل هو حقيقة ظاهرة. إن أحداث التاريخ تشير كلها إلى هذه الحقيقة. ألم تر أن دمشق كانت دائماً المشعل الهادي إلى سبل الخلاص من الأعداء والنداء الداعي إلى جمع الشمل والنهوض كفاحاً في وجه الغاصبين.
صرخ أحد فتيان الأعداء بالساحرة:
ـ ويحك يا هذه! تبدين شديدة الحماسة لدمشق! فهل نسيت المحن التي لحقت بهذه المدينة التي لا تختلف عن بقية مدن العالم بشيء.
قالت الساحرة:
ـ تبدو قليل الحكمة أيّها الفتى. صحيح أن مصائب كثيرة قد لحقت بدمشق. ولو نزل بعض تلك المصائب على جبل لتضعضع وانهار.. لكن دمشق ما تزال شامخة صامدة. فبماذا تفسر شموخها وصمودها؟
صمت الفتى وراح يفكر وقد شعر بشيء من الخجل. قال أحد الشيوخ بعد أن فكر طويلاً:
ـ نحن مدينون لك بالشكر الجزيل أيتها الساحرة. لقد أرشدتنا إلى مقتل عدونا.
قالت الساحرة:
ـ لقد أرشدتكم إلى مكان القلب من بلاد يعرب وأخشى أن أكون قد أرشدتكم إلى حتفكم وهلاككم.
ثم تنهدت الساحرة وأردفت:
ـ قلب يعرب في دمشق حبيبته تحنو عليه قلوب أرق من ماء بردى وتحميه صدور أصلب من صخور قاسيون الخالد. وكم من رؤوس حاقدة قد تفلعت على تلك الصدور وتلك الصخور. فحذار! حذار!
zidane
07-14-2006, 12:48 AM
حلم مزعج
الريح تعول بين الصخور البيض دافعة الضباب في الوادي فيبدو مثل نهر صاخب من السحب يسير من الأسفل إلى الأعلى. السماء ملبدة بغيوم داكنة. يشقها شريط من البرق المتعرج فكأنه صدوع خاطفة تزعزع جبال الغيم، ثم يدوي الرعد هادراً فترتعش الغابة وتخشع. ينهمر المطر غزيراً فتلمع أغصان البلوط والبطم العارية وكأنها حوريات رشيقات يغتسلن ويرتعشن في صخب. أما أشجار السنديان فتقف صامدة بأوراقها الخضر وكأنها تقول للعاصفة: "أنا باقية هنا، وأنت عابرة. سلي هذه الصخور كم رأينا من عواصف وكم واجهنا من رياح. "وتصفق أجفان الغار بأكفها الخضر الصغار مسرورة بأغنيات الريح والمطر.
كان الحطاب الفقير قد جمع بعض الأغصان اليابسة ولاذ بأحد الكهوف حين رأى نذر العاصفة. أشعل ناراً، وحين أحس بالطمأنينة راح يفكر: "في الحكايات يجد الكثيرون من الفقراء كنوزاً مدفونة في الكهوف ويصبحون أغنياء. ليتني أجد كنزاً فأصبح غنياً وأرتاح من الجوع والبرد، والعمل الشاق. ليتني أجده اليوم. ولكن كيف سأتصرف لو وجدته؟ سأشتري بيتاً كبيراً قبل أن أقوم بأي عمل آخر. إن كوخنا يكاد ينهار فوقنا، ثم سأشتري أحسن الأطعمة لأولادي، وسأشتري لهم ولزوجي أجمل الملابس.
أحس بالدفء فعدل جلسته، ثم شعر بالنعاس يداعب أجفانه فأغمض عينيه. ارتاح قليلاً وفتحهما.. رأى السيل يتدفق إلى عمق الكهف وينحدر هادراً في هاوية عميقة جداً. كانت المياه تحفر في جنبات الكهف، فرأى الحطاب الفقير طرف صندوق قديم، كالذي تصفه الحكايات الشعبية، يظهر قرب الصخرة التي في طرف الكهف الآخر. دلك عينيه بيديه، وأمعن النظر فزادت رؤيته وضوحاً. أذهلته المفاجأة فظل كالمشدوه فترة. ولكنه استعاد وعيه وقفز إلى حيث الصندوق، أمسكه بيديه القويتين وشده بقوة. سحبه إلى قرب النار ورفع الغطاء، فشع من الصندوق بريق يبهر النظر. كانت الجواهر والأحجار الثمينة والحلي الذهبية أكثر مما يستطيع خيال الأغنياء تصوره. انحنى الحطاب فوق الصندوق وشده إلى صدره بقوة.
ظل منحنياً فوقه زمناً، ثم فطن إلى أن الزمن يمضي سريعاً، وأن عليه أن يقوم بعمل ما. هل يترك الصندوق في الكهف أم يأخذه إلى بيته؟ ألا يأتي أحد ويأخذه إذا تركه؟ ألن يراه الناس ينقله إلى بيته؟ ألن تراه زوجه وأولاده؟ هل يستطيعون كتمان السر؟ ألن تخبر زوجه أهلها وأهله، وكلهم فقراء مثله؟ ألن يطلبوا منه العون والمساعدة؟ أيتركهم يعانون أم يقاسمهم كنزه؟
وتضاربت الأفكار في رأسه حتى شعر أنه لم يعد قادراً على فهم أية فكرة. وراحت الصور تمر بخياله وهي على أشد ما تكون من التشابك والاختلاط.
عاد ينظر إلى الصندوق. كانت في إحدى زواياه قطعة من الحرير الأحمر، مصرورة على شيء ما. مد يده وتناول الصرة، ثم فكها فوجد داخلها قطعة من الجلد، كتب عليها بحروف مذهبة: "كنزت هذا الكنز، وها أناذا على فراش الموت. بقيت طوال عمري أفكر في مسألة لم أجد لها جواباً مقنعاً: هل أُنفقه فيما ينفعني وينفع الناس أم أبقيه لزمن الشدة، فأنجو به بنفسي وأبعد عني أنياب الفقر؟ لقد أخفيته في هذا الكهف، وعشت حياتي فقيراً، لأنني كنت أخاف الفقر. وأنت يا من وجدت كنزي، ما أنت فاعل به؟ هل ستنفقه الآن أم ستتركه لأيام الشدة؟ لقد متعت نظري بأحجاره الثمينة زمناً طويلاً، وها أنا ذا أفتح عينيّ فلا أرى أمامي سوى شبح الموت... فلتكن حياتي وموتي موعظة لك."
رفع الحطاب عينيه عن قطعة الجلد، وخاطب نفسه: "ولكنه لم يقل لي كيف ينبغي أن أتصرف.. هل يريدني أن أنفق الكنز فيما ينفعني وينفع الناس؟ ولكن، ماذا سيكون مصيري حين ينفد الكنز"
سقطت قطرة ماء من سقف الكهف على جبين الحطاب فأجفل. كانت شعل النار تلوي أعناقها وتنطفئ الواحدة بعد الأخرى. دلك الحطاب جبينه بيده وتمتم حين لم يجد الصندوق أمامه:
ـ أواه، كان حلماً مزعجاً حقاً.
ثم نهض وخرج من الكهف. كانت العاصفة قد مضت، وكادت السماء تصفو تماماً. نظر إلى شجرة يابسة وقال:
ـ سأحصل من حطبك على ما أطعم به أسرتي غداً.
ثم شرع يحتطب بنشاط وعزم.
zidane
07-14-2006, 12:48 AM
عملية بسيطة
كانت ميسون في الخامسة عشرة من عمرها يوم وقعت وأصيب أنفها الجميل إصابة شوهته قليلاً. أراد والدها أن يأخذها إلى المستشفى ليجري لها الأطباء عملية تجميل فرفضت. ألح والدها، وأصرت على الرفض. ظن والدها أنها تخشى خطر العملية، فراح يوضح لها أنها عملية في منتهى البساطة، وأن أنفها سوف يعود بعد إجرائها إلى جماله السابق، وظلت مصرة على الرفض.
أكملت مرحلة الدراسة الثانوية، وانتسبت إلى الجامعة. كانت تقوم بواجباتها المنزلية على أحسن وجه، وظلت بين المتفوقين في الدراسة، وما كانت تبخل على أحد من زملائها أو زميلاتها بأية مساعدة ممكنة، ولم يعرف أحد عنها سوى الصدق والاستقامة حتى صارت مضرب المثل بالعطف على الضعفاء وبعزة النفس والإباء أمام المغرورين والمتكبرين.
وكان زميل دراستها الجامعية "علاء" أحد الشبان العصاميين الجادين، وأحد الذين ينافسونها على المراتب الأولى في المواد الدراسية كلها، وكان هو الآخر كريم الخصال وشهماً عزيز النفس.
كانا يتبادلان التحية حين يلتقيان، وكثيراً ما اتفقت وجهتا نظرهما بشأن المسائل التي تناقش في الوسط الجامعي. وحين أنهيا امتحانات السنة الجامعية الأخيرة جاء إليها علاء باسماً وقال:
ـ الآن صار في وسعي أن أفاتحك في أمر حاولت أن أكتمه طوال سنوات دراستنا.
قالت ميسون: ـ ما هو هذا الأمر يا علاء؟
قال علاء: ـ أنا شديد الإعجاب بك يا ميسون، وأرغب في أن لا تفرقنا الأيام إلاّ بعد عمر طويل.
أطرقت ميسون حياء، ثم أشارت إلى أنفها.
عرف علاء قصدها، فابتسم وقال:
ـ ومن يضيع كنزاً ثميناً من الجمال والفضيلة والذكاء لأن الصدأ أصاب طرفاً يسيراً من غطاء الصندوق الذي فيه الكنز؟
رفعت ميسون رأسها وقالت بتواضعها الجم:
ـ أشكرك يا علاء على هذا الثناء الذي لا أستحقه..
ثم أطرقت وقد احمرت وجنتاها.
قال علاء: ـ بل أنت تستحقين أكثر مما أسعفني لساني بقوله.. أنت أثمن من أي كنز مادي يا ميسون.. وأنا راغب في طلب يدك.
ابتسمت ميسون، وقالت:
ـ وهل تطلبها مني أم من أهلي؟
صفق علاء ابتهاجاً، وقال:
ـ اليوم مساء سيأتي والداي لطلب يدك من والديك. كنت طوال سنوات الدراسة أحدثهما عنك حتى صارا يعرفانك كما أعرفك.
وتمت الخطوبة، ثم عقد قرانهما.. وبعد ثلاثة أيام من زواجهما قالت ميسون:
ـ سأذهب إلى المستشفى لإجراء عملية تجميل لأنفي.. فأنا ما عدت أطيق هذا الأنف المشوه.
قال علاء:
ـ هل تريدين إجراءها من أجلي يا ميسون؟ ألا تعلمين أنك الأجمل في نظري؟
قالت ميسون:
ـ سأجريها من أجلي ومن أجلك يا علاء. لقد رفضت بعناد أن تُجرى لي العملية لأنني كنت أنتظر الرجل الحكيم الذي يهمه الجوهر ولا يأبه بالقشور، ولقد وجدته.. فلماذا أمانع بعد ذلك في أن تُجرى لي مثل هذه العملية البسيطة؟
zidane
07-14-2006, 12:49 AM
حكاية الملك الذي احتكر الهواء
"إنهم يحاصرون المخيمات والمدن والقرى ويمنعون عنها الماء والغذاء والدواء"
عاش في قديم الزمان ملك من قساة الملوك لا يعرف قلبه رحمة ولا شفقة. كان طماعاً جداً تزداد ثرواته وأملاكه فيزداد طمعاً على طمع ويسفك المزيد والمزيد من دماء الأبرياء فيزداد طغياناً وقسوة وجبروتاً.
جعل أرض مملكته بكاملها ملكاً شخصياً لـه فصار الفلاحون والعاملون في الأرض عبيداً لـه يحرثون ويزرعون ويحصدون وتذهب الخيرات التي أنبتتها الأرض بعرقهم وجهدهم إلى مستودعاته. وكان حراسه يوزعون على الناس يوماً بيوم ما يردّ عنهم خطر الموت جوعاً.
كان الفقراء الذين لا يعرفون الشبع يذهبون إلى الغابة ليسدوا جوعهم بثمارها البرية ونباتها. فأخبر الجواسيس الملك بذلك فأمر بوضع حراس يحرسون الغابات ويمنعون الناس من الدخول إليها إلا بأمر خاص. وأصدر أمراً بمصادرة كل ما يؤكل في الغابة من عشب وثمر وحيوانات وجعلها ملكاً خاصاً به يعاقب بالموت من يعتدي عليه.. فأملاك الملك الخاصة مقدسة لا يجوز المساس بها.
كان رجال الملك من الجلادين الطغاة فنفذوا أوامره بقسوة فزاد بؤس الناس وعذابهم فاتجهوا إلى الينابيع العذبة يملؤون بمائها بطونهم الجائعة. أرسل أحد جواسيس الملك تقريراً إلى الملك يقول فيه: "إن الناس يشربون الكثير من الماء يا صاحب الجلالة وهذا يثقل بطونهم ويجعلهم كسالى في العمل وفي ذلك ما فيه من خسارة تلحق بأموال جلالتكم."
غضب الملك غضباً عارماً وأرسل أقسى جنوده ليبعدوا الناس عن الينابيع. وانهالت السياط والهراوات على ظهور الناس شيوخاً ونساء ورجالاً وأطفالاً فلاذوا بالفرار باكين مولولين.
وأصدر الملك أمراً جاء فيه: "بأمر جلالة الملك المعظم! تصادر جميع الينابيع والآبار والأنهار والبحيرات وما يتجمع في الحفر والبرك وعلى الأسطحة من مياه الأمطار وتصبح ملكية خاصة بصاحب الجلالة يوزع منها رجاله ما يرونه ضرورياً على الذين يعتبرونهم بحاجة ماسة إليه! ينفذ الأمر فوراً!".
وطاف الجنود على بيوت الرعية وصادروا الجرار والخوابي والأواني الكبيرة كي لا يخزن فيها الناس بعض الماء خلسة. عطش الناس وتفشت بينهم الأمراض والأوبئة بسبب ازدياد القذارة وصاروا يموتون بالعشرات.
وذات يوم أتى إلى الملك أحد مستشاريه وهمس في أذنه: "المعذرة يا صاحب الجلالة! يبدو أن رعيتك قد تعودوا حياة الإسراف والتبذير. إنهم يستنشقون الكثير من الهواء وينفثون فيه الكثير من أمراضهم وأوبئتهم..".
صاح الملك متجهماً:
ـ ماذا تريد أن تقول أيّها المستشار؟
ـ أخشى أن ينفد الهواء أو يفسد يا مولاي فلا يعود لدينا ما نتنفسه!
ـ فهمت، فهمت!
وأصدر الملك أمراً بمصادرة الهواء واحتكاره.
واقترح الخبراء المختصون أن توضع في أقبية القصر وفي غرفه وصالاته الزائدة أوعية مطاطية كتيمة تتصل بأجهزة خاصة تشفط الهواء من الأجواء وتضغطه فيها.
وصنع الناس الأوعية المطاطية المطلوبة وجهزت بها الأقبية والغرف والصالات وراحت الأجهزة الشافطة تعمل وتعمل والأوعية المطاطية تنتفخ وتنتفخ، وزاد شفط الهواء وزاد ضغطه على جدران أقبية القصر وغرفه وصالاته حتى لم تعد تحتمل فانفجر القصر وتطايرت حجارته.
ومنذ ذلك الحين والشعوب تتناقل من جيل إلى جيل الحكمة القائلة:
كثرة الضغط تولد الانفجار.
zidane
07-14-2006, 12:50 AM
الغراب العاشق
وأحزان الحمامة البيضاء
« إلى سيدة الأحزان الجليلة »
كان غراباً هرماً.. لا سِربَ لـه ولا رفيق. حط على أحد أغصان السنديانة الضخمة... ثم أغفى متعباً مرهقاً بالهموم.
أفاق مع إشراقة الشمس على هديلها الرتيب الحزين.
تأوه ملتاعاً ودمعت عيناه. كانت وحيدة تنادي رفيقها الذي ذهب إلى حيث لا يرجع أحد.
تملّى جمالها البهيّ فارتعش... صار قلبه ألطف من فراشة تعانق برعماً نديانَ.
سمعت تأوهاته فالتفتتْ نحوه حانية...
ناجاها بلطف لم تعهد مثله في غراب فحكت لـه شيئاً من حكاية حزنها... حاول مواساتها والتقرب منها فنفرت وذكرته بما بينهما من فرق...
لوى عنقه وبكى.
حين لامست دموعه التراب بزغت أزهار ساحرة.
هتفت إحدى حوريات الغاب:
-ما أجمل أزهار دموع الغراب!
وحملت النسمات عبقاً مسكراً..
تأوه الغراب فصدحت جوقة البلابل بأغنية مدهشة.
ترجّع في الغابة صدى موجع: إنه رجع حنين الغراب العاشق.
هتف الغراب بصوته الغليظ وقد رأى وجهه المنفر في مرآة الغدير:
-إلهي! إلهي! لماذا خلقتني غراباً؟
أدركت الحمامة الحزينة أنها لن تجد، بعد الهديلِ رفيقها، من يحبها مثل هذا الحب.
وتألمت...
أدهشه أن يوجد في العالم قلب يتسع لهذا الألم كله...
لكن حبها الهديل( ) ظل أقوى.
وما زالت تهدل فتخفق القلوب خاشعة... وما زال الغراب العاشق يذرف الدمع فتتفتح الأزهار، ويتأوه فتشدو البلابل.
وسيبقيان قريبين متباعدين إلى الأبد...
هو لا يقوى على سلوانها... وهي لا تقوى على حبه.
zidane
07-14-2006, 12:50 AM
الربيع وأحزان العصفورة الجميلة
جاء الربيع إلى الغابة حافياً، بعثت أنفاسه الحارة الدفء في الأغصان والجذور فتمطت وشرعت تعمل. حطَّ عصفور ملوّن الجناحين على شجرة الزيزفون وزقزق فاستيقظت الزيزفونة وأزهرت. ملأ العطر فضاء الغابة.. استنشقت الكائنات العطر الزكي وانطلقت في الدروب مبتهجة. زارت الطيور أعشاش الصيف الماضي وبدأت تعمل على ترميمها أو تبني أعشاشاً جديدة.
ومضى الربيع إلى الحقول المجاورة فشقَّ العشب الترابَ النديَ ثم هز رؤوسه الكثيرةَ الخضراء. مرت النسمات بأصابعها الطرية على شعر العشب الأخضر، ماج الحقل خضرةً وطراوةً، طارت قبرة من بين العشب، وطارت أخرى، وأخرى، وامتلأ جو المرج بالأغنيات الطروب وثغت الأغنام في المراعي القريبة.
حطَّتْ قبرة طروب على جفنة شوك وسألتها بدالَّة الصديقِ على صديقه: هل تسمحين لي أن أبني عشاً قريباً من جذعك الأملس أيتها الجفنة الشجاعة؟
هزت النسمات فروع جفنة الشوك فهتفت القبرة:
-أشكرك يا صديقتي على كرمكِ ونبلك وحسن ضيافتك..
ثم أطلقت نفير العمل.
حطت عصفورة خضراء الجناحين على غصن مزهر وغردت تغريداً لا مثيل لعذوبته... هتف الغراب طرباً: ما أعذب صوتك يا أختاه! غردي، غردي، أيتها الجميلة بين الطيور. لقد منحتك الحياة جمال المنظر وعذوبة الصوت، فليكن تغريدك صلاة شكر للحياة على جميل عطاياها.
نشرت العصفورة ريش جناحيها الجميلين تحية للغراب وأطلقت تغريدة عذبة.
نظر الغراب إليها مبتهجاً ثم راح يقفز فوق الأعشاب حبوراً.
في تلك اللحظات الرائعات قذف صبي بارع في الصيد شبكته على العصفورة المغردة فاضطربت المسكينة وانقطعت الأغنية الساحرة.
طار الغراب مذعوراً وراح ينعب باكياً مصير العصفورة الجميلة.
قالت البومة الحكيمة وهي ترفرف بجناحيها الملونين:
-ما أقبح أن يصير الجمال مصدر عذاب وشقاء لصاحبه!
أَنَّتِ العصفورة الجميلة والدموع في عينيها:
-قدري أن أكون جميلة وأن أتعذب.
لم يفهم الصبي ما قالته الطيور، فوضع العصفورة في قفص وقفِل راجعاً إلى بيته مسروراً بصيده الثمين.
zidane
07-14-2006, 12:51 AM
قبل فوات الأوان
كيف حدث ما حدث؟ إنه الآن جالس قرب فراش أمه العجوز المريضة، والناس يدخلون ويخرجون فلا يعرفه أحد، ولا يعرف أحداً، أمه وحدها هي التي تنظر إليه بحنان وحب، وهي وحدها التي عرفته وأبدت المزيد من الحرص عليه... وشرع يفكر: ما أعظم الحكمة التي تقول:
"الدنيا أم"!
إن ذهنه مشوش جداً. يحاول أن يتذكر ما جرى فيخيل إليه أنه كان في حلم مزعج... الواقع الوحيد الذي يحسه الآن بكل كيانه هو أنه جالس قرب أمه المريضة. أما الأيام التي مضت فأمرها مختلف.
يبدو أنها كانت واقعاً لكنها لم تعد كذلك.. هي الآن ذكرى تطلع من ضباب كثيف ثم تتلاشى في ضباب شفيف يتكاثف ويتكاثف إلى أن يصير جداراً قاتماً لا يشف عن شيء...
تدخل امرأة مسنة من الجارات وتجلس قرب فراش الأم، تكلمها بحب وود ثم تلتفت إليه، وهو الجالس غريباً في بيته، وتسأله: كيف حالك يا بني؟ ألم تعرفني؟ لقد غيرتك الأيام كما غيرتنا جميعاً.. أنا جارتكم أم ماجد...
وتوهجت ذاكرته، تلاشى الضباب الكثيف وبزغت شمس أخرى.. أجل.. كان لـه أصدقاء وكان ماجد منهم، وكانت لـه مودات وعداوات.. مرت في خاطره ذكرى أيام الطفولة كسحابة ملونة وشفافة.. لقد هربت منه الطفولة، ولا يعرف كيف هربت... يتذكر الآن أنه وجد نفسه شاباً جم النشاط، جم الطموح، كثير الأحلام، وكانت الرياضة البدنية هوايته المفضلة، وكان تحصيل العلم والمعرفة شغله الشاغل.
وصار محط أنظار أهل المدينة.. الناس ينظرون إليه باحترام وتقدير، ويتوسمون فيه الخير...
وكثرت معرفته وظل متواضعاً.. جاب السهول والغابات المحيطة بالمدينة، صعد القمم العالية، وتأمل الصخور الضخمة، وسمع حفيف أوراق الغار والبطم واكتسب فضيلة التواضع والصمت. قرأ تاريخ البشر فتجسد أمام ناظريه ما لاقت البشرية من ويلات وحروب وشرور كثيرة...
كان مكان جلوسه المفضل كهف واسع صعب المرتقى.. لقد صنع سلماً من الحبال يرقى عليه إلى ذلك الكهف الذي يقع فوق صخرة بيضاء رابضة فوق كتف الوادي الذي تتراكض الجداول نحوه لتشكل نهراً يتدفق بمزيد من القوة، ملتوياً بين التلال حتى يصل إلى البحر.
راح يجلس هناك ساعات وساعات.. يقرأ ويسجل ما يخطر لـه من أفكار ورؤى.. صار يؤلمه ما يراه في الناس من عيوب، وكبرت في عينيه شرور العالم بعد أن صار يقارنها بسلام الطبيعة ووداعتها.
وقرر أن يعتزل الناس كي يتاح لـه البحث عن وسيلة يخلص بها البشر من الشر والفساد، وتساعدهم على إقامة مجتمع إنساني يسوده العدل والمحبة والسلام، مجتمع ينمو فيه ما هو جميل ونافع ويندثر القبح والأذى.
وشرع يعد العدة لتنفيذ قراره. راح يعمل بجد وصبر حتى صار الكهف صالحاً للإقامة صيفاً وشتاءً. جر إليه الماء في ساقية من نبع جبلي، وأعد أماكن للمؤنة والنوم والعمل. أعد رفوفاً للكتب وغيرها من اللوازم ومضى إلى أمه وأطلعها على قراره...
قالت الأم:
-في الإنسان كثير من الشر يا بني.. هذا صحيح، لكن الإنسان ليس شراً كله. أنت لا ترى سوى الجانب المظلم منه.. إنّ في الناس كثيراً من الخير والرحمة ولولا الخير الذي فيهم لما بقيت منهم بقية.
قال لها:
-أنا لا أكرههم يا أماه! أنا أريد لهم المزيد من الخير... لكنني أكره أن أراهم يزحفون على الأرض زحفاً، أريدهم أن يحلقوا عالياً جداً يا أماه، أن يتأملوا كوكب الأرض الجميل بعيداً عن صخب المطامع والأهواء..
قالت الأم:
-الزاحف على الأرض والمحلق عالياً جداً فوقها لا يستطيعان رؤيتها جيداً.. وإذا كنت قد كرهت زحف الزاحفين فلا تزحف بل سر عليها واهبط إلى أوديتها واصعد إلى ذراها ولا تنفصل عن الناس وعنها. إنَّ عمق الوادي قد يظهر المزيد من جلال الجبل، وكذلك حال النظر من أعلى الجبل إلى الوادي. فابق معنا يا بني.. واعمل الخير للناس بين الناس لا بعيداً عنهم. وليكن شعارك: مع الناس ومن أجلهم.
قال منفعلاً:
-حسبتك جناحاً أطير به عالياً وهل أنا ذا أراك قيداً يمنعني من الطيران.. أريد أجنحة يا أمي، لا أريد قيوداً.
نظرت أمه إلى عينيه فرأت فيهما الحزم فقالت بأسى:
-ليس الكائن جناحين وحسب يا بني!
ودخلت بيتها حزينة... ومضى إلى الكهف غير متردد.
كان شاباً شجاعاً ومؤمناً بقضيته فشرع يعمل بجد. يقرأ الكتب والقوانين.. راح يرسم الخطط المثلى مسترجعاً في ذاكرته أفضل النظم من دنيوية وما أتت به الشرائع الدينية من سماوية ووثنية. ومرت الأيام والشهور.
كان رفاق شبابه يأتون في الأماسي إلى قاعدةِ الصخرةِ ويليحون لـه بمناديلهم... وكان يرد على تلويحهم أحياناً ثم صار يتجاهل تحياتهم فنقص عدد الذين يأتون ونقص حتى لم يعد يأتي أحد.
ونسيه الجميع.. وانهمك في عمله حتى نسي الجميع. مر الصيف والخريف وجاء الشتاء بلياليه الطوال الباردة، وأقبل الربيع وهو منكب على عمله، يبني على الورق مدناً وينشئ مزارع نظيفة، ويقيم المصانع العملاقة الرائعة ويطيع القوانين ثم يعيد النظر في ما أنشأ وأقام... وأعادت الفصول دورتها وتوالت الأعوام. وكان قد أقام حقلاً صغيراً قرب الكهف، وربى بعض الدواجن وزرع في أرجاء الكهف بعض الخضار فكفاه ذلك وسد حاجاته المتواضعة.. وشغله العمل الدائب عن كل ما عداه فلم يفطن إلى أن تراكم الثلوج شتاء، وانهمار الأمطار ربيعاً، وحرارة الشمس صيفاً، وجنون الرياح خريفاً قد فعلت فعلها في الحبال التي صنع منها السلم الذي صعد عليه إلى الكهف فاهترأت وتقطعت كما وهت ثم انقطعت الحبال العاطفية والروحية التي كانت تربطه بالأهل والأقرباء والجيران والأصدقاء..
وأفاق ذات صباح على هدير صاخب فنهض مذعوراً ليجد طائرة مروحية تحط على الفسحة التي أمام الكهف، ثم رأى رجلين يخرجان منها ويتجهان نحوه. حياه الرجلان باحترام وأخبراه أن أمه مريضة وتريد أن تراه.
ارتعد كمن يفيق من كابوس.. لقد نسي أن لـه أماً وأن لـه مدينة.
وعاد مع الرجلين فوجد المدينة قد تغيرت، ووجد الناس قد تغيروا.. لقد هرم بيتهم كثيراً وهرمت أمه المسكينة.. وحين نظر إلى المرآة رأى الشيب يغزو شعره.
وعلى الرغم من ذلك لم يقنط بل قرر أن يستدرك ما فات، وأن يبدأ من جديد، وقرر أن يكون كالنسر يعود إلى الأرض بعد تحليق فيفيد الناس بما اكتسب ويستمد القوة منهم.
zidane
07-14-2006, 12:52 AM
ندى وهرّها فلفل
كانت ندى تنظّمُ وقتها في أيام العطل، تحضّر واجباتها المدرسيّة، وتساعد أمّها في بعض الأعمال البسيطة، ثمّ تلعب قليلاً من الوقت. في أحد الأيام نسيت أن تحفظ دروسها، وتكتب وظائفها، وراحت تلعب مع قطها فلفل، وفي اليوم التّالي سألت المعلمة (ندى) عن وظيفتها؛ وقفت (ندى) خجلة وقالت:
ـ "نسيت أن أكتبها،
قالت المعلمة: "هل يرضيك أن تهملي واجبك يا ندى؟"..
صمتت ندى ولم تجب، وعندما عادت إلى البيت كانت حزينة؛ تناولت طعامها وجلست تقرأ دروسها بصمت.
اقترب منها (فلفل) وهو يموء..
قالت ندى لفلفل: "اذهبْ وابحثْ عن كرة تلهو بها، أما أنا فأريد أن أقرأ لأصبح مجتهدة وتحبني معلمتي..".
حزن (فلفل)، وانزوى بعيداً يفكّر:
ـ "لماذا طردتني ندى؟"..
وعرف أنّه يجب أنْ يتركها بعض الوقت، لتكتب بوظائفها، وعليه أن يعمل هو أيضاً!..
ومنذ ذلك اليوم تعلم (فلفل) ألا يترك الحشرات الضّارة والفئران المؤذية تهرب من مخالبه أمّا ندى فكانت تمسح شعره النّاعم برفق، وتحمله إلى الحديقة، خلال استراحتها، وتلعب معه بسرور.
zidane
07-14-2006, 12:53 AM
حقل الأصدقاء
في حقل واسع عاش كثير من الورد والأزهار والنباتات الخضراء الجميلة، وعدّة أسراب من الفراش اللطيف. كانت جماعات الأزهار والورد تستمع لحكايات الفراش، وتنشر عطرها تعبيراً عن فرحتها بصداقة الفراش وحين يشتدّ الحرّ، كانت الفراشات تطير وتحط، ترفرف بأجنحتها؛ تلطّف الجوّ، لتخفّف من قساوة الحرّ عن أصدقائها، وإذا جاء الليل، وتعبت الفراشات تنام في أحضان الورد والأزهار بهدوء مع يرقاتها الصّغيرات:
ذات يوم تعرض حقل مجاور لحريق، وامتدّ اللهب إلى حقل الأصدقاء؛ بسرعة سمع الجميع خبر الحريق، أسرعت أسراب الفراش، وشكّلت حاجزاً من أجسادها لحماية الأصدقاء، كان اللهب يلفح وجه الورد والأزهار والعشب؛ احترق كثير من الفراش قبل أن يتلاشى اللهب، وينطفئ الحريق أما الورد والأزهار، فقد احتضنت اليرقات الصغيرات حتى أصبحن فراشاً يملأ الحقل سعادة وجمالاً.
zidane
07-14-2006, 12:54 AM
نحن كبار
دخل المعلّمُ إلى الصَّف فجأة؛ صمت الجميع وساد هدوء تام، كان واجماً وبدت علامات الغضب والانزعاج على وجهه، نظر في وجوه التلاميذ واحداً واحداً وكأنّه يبحث عن شيء أضاعه، تنفس بعمق وقال بصوت يشبه الهمس:
-"لقد عطلوا الدراسة"
فهم الجميع أنّ الإسرائيليين أمروا بإغلاق المدرسة، وبعد لحظات قال بصوت واضح وقوي:
-"سنتابع الدروس في البيوت"
وقف وليد وقال:
"لدينا غرفة كبيرة، سأطلب من أبي أن يسمح لنا بأن ندرس فيها".
خرج التلاميذ من الصفوف، ثمّ غادروا بهو المدرسة كان جنود العدو يملؤون الشّارع الرئيسي، وعند مداخل الأزقة المتقاطعة مع هذا الشارع، كانت بعض الأمهات ينتظرن أطفالهن:
لم يتوجه الأولاد إلى منازلهم، بل توزعوا إلى مجموعات، كلّ مجموعة اتجهت إلى زقاق فرعي متسلحين بالحجارة والمقالع والزجاجات..
من أين ظهرت كلّ هذه الأشياء؟! لقد كانوا يخفونها في محافظهم، وتحت الثياب.
مرّ أحدُ المعلمين ورأى ما يحدث، أمرَ الأطفال الصّغار: "اذهبوا إلى البيت أيها الصغار"
ردَّ طفل: "نحن كبار"
ابتسم المعلم وتابع طريقه، كان يعرف أنّ معركة ستحدث وكان مسروراً.
zidane
07-14-2006, 12:55 AM
جدّتي تزغرد
جدتي اسمها الحاجة (آمنة)، كلّ الناس في جباليا يعرفونها، وهي تعرف كل أهالي جباليا.
جدتي الحاجة (آمنة) تحبّ كل النّاس في جباليا، وهم يحبونها، كلّ الشباب والأطفال، وحتّى الرجال ينادونها: "جدتي" لأنّها ساعدت أمهاتهم في أثناء ولادتهم، وهي أول مَنْ حَمَلَ أجسادهم الصغيرة في أول لحظة مِنْ حياتهم، وهي أول مَنْ تطلق زغرودةَ فرحٍ، ودائماً نراها مبتسمة لم تبكِ مرّةً في حياتها فهي تزغرد عند الولادة لأنّ قادماً جديداً حلّ في جباليا فتقول:
-"الحمد الله زاد عددنا واحداً".
وتزغرد عندما يموت واحدٌ من المخيم شهيداً من أجل الوطن فتقول:
-"الحمد لله، لقد صعد واحدٌ منا إلى السماء وإذا سألها أحدُ الأولاد: "ماذا يفعل الشهيد في السماء يا جدتي؟".
تقول لــه: "انظر إلى هذه النجوم الكثيرة، إنّها أرواح الشهداء تضيء لنا أيامنا".
قلت لها ذات يوم: "أريد أن أصعد إلى هناك لأصبح نجماً، ماذا أعمل؟"
نظرت إليّ وكانت تصنع من الخيطان مقلاعاً،
قالت: هذا مقلاع سأدرّبك كيف تضرب به من سرق أرضنا وقتل أباك"
قلت: "هل صعدَ أبي إلى النّجوم؟"
هزّت رأسها قائلة: "نعم".
كانت يداها تعملان بنشاط ومهارة، لقد أنهت المقلاع.. كان جميلاً فقد رسمت بالخيوط الملونة العلم الوطني، كنت أرغب أن تعطيني هذا المقلاع لأضرب به جنود العدو، لكن يبدو أنها وعدت إحدى الفرق الضاربة بعدد من هذا السلاح، فقد سحبت من تحت الفِراش عدداً كبيراً من المقاليع التي حاكتها، خبّأتها في صدرها وخرجت بسرعة غداً سيلبي أهالي جباليا نداء الانتفاضة بالإضراب العام.. وسيصعد بعضهم إلى السماء وستزغرد جدّتي.
zidane
07-14-2006, 12:55 AM
لقد عاد حسن
نظرت الحاجة آمنة إلى صور أبنائها الثلاث معلقة في صدر البيت وقالت:
-"الحمد لله الذي شرّفني باستشهادهم"* كان طفل صغير ينام فوق السرير الكبير، وقد لُفَّ جسده بالكوفية الفلسطينية، إنّه ابن ولدها (حسن) الذي استشهد قبل ولادة طفله بثلاثة أيام، أسمته الجدّة آمنة (حسن) وقالت حينها: "الحمد الله
لقد عاد حسن".
اقتربت الجدّة آمنة من حفيدها الجديد وعلى وجهها ابتسامة جميلة، قالت بصوت هامس:
-"نمْ ياحبيبي نًمْ لقد سهر أبوك لينام الأطفال نَمْ يا حبيبي ستكبر وتسهر مثل أبيك، نمْ هناك من يسهر الآن من أجلك، ستنهض يوماً حين تشرق شمس الوطن، وتكون كبيراً أما أنا فسأذهب الآن، ربما لن أرجع.. ستكبر وتغنّي "بلادي. بلادي".
خرجت الجدّة آمنة بعد أن أخفت شيئاً في صدرها وكان "حسن" ينام بهدوء.
zidane
07-14-2006, 12:56 AM
أسئلة نشوان
جلس نشوان، جانب النّافذة المغلقة، يلعب بألعابه، إنّه لا يستطيع الخروج إلى الشّارع؛ فالمطر يهطل في الخارج! اكتشفَ نشوانُ شيئاً أعجبهُ! اكتشفَ صوت حبّات المطر المتساقطة برتابة وكأنّها تغنّي، وراح يُصغي بفرح إلى هسيس الماء المنساب من الأسطحة أيضاً، فجأة قطعت عليه أصواتٌ قويةٌ إصغاءَهُ؛ وكانت غير مألوفة لنشوان، فخاف وركض إلى المطبخ حيث كانت أمُّهُ تحضّر الطّعام، وصاح:
-"ماما.. ماما.. ماهذه الأصوات القويّة؟! أنا خائف.."
لكنّ ابتسامةَ أمِّه هدَّأت من خوفه واضطرابه
-"لا تخف يابني.. هذه أصوات الرّعد".
-"ماهو الرّعد؟"
-"الرّعد أصواتُ الغيوم في السّماء".
-"ولماذا تصرخ الغيوم بأصوات مخيفة.. هل تتشاجر الغيومُ يا أمّي؟"
-"نعم، إنّها تتشاجر قليلاً، ولكنّها تخجل من تصرفها فتصمت وتنزل مطراً".
-"ماما، هل المطر هو دموع الغيمات؟".
-"طبعاً إنّه دموع الغيمات ذرفتها ندماً على الشّجار".
-"ماما من أين تأتي الغيمات؟".
-"من البحر يا بني".
عاد نشوان إلى جانب النّافذة، وأصغى طويلاً إلى حبّات المطر؛ وهي ترقص على السطوح، وفي الشّارع، وكان يسمع، أحياناً، صوت الرّعد، فيضحك لأنه يعرف أنّ الغيمات تتشاجر قليلاً، وأنّ دموعها تسقي الأرض والأزهار والعصافير.
zidane
07-14-2006, 12:57 AM
عصفوري
ذات مرةً حاولت أن أمسك عصفوراً حيّاً؛ لجأت إلى الحيلة كما يفعل كل الأولاد، جهّزتُ حفرةً تسع عصفوراً كبيراً، وأحضرت قطعةً من الصّخر على شكل رقاقة، ثمّ أسندتها بالعيدان بشكل مناسب، ولم أنسَ أنْ أثبّت دودةً حيّةً من ديدان الأرض، ثم مكثت، دون حراك، بعيداً عن الحفرة؛ أراقب العصافير تروحُ وتجيءُ، تحطّ هنا، تنطُّ هناك باحثةً عن طعامها وطعام أولادها! ولم أطلِ المكوث، لأنّ عصفوراً جائعاً، كان قد شاهد دودة الأرض تتحركُ داخل الحفرة، فانقضَّ على الدّودة، ولم يدرِ أنّه وقع في الفخّ! إذ أطبقت عليه رقاقة الصّخر وحبسته في الحفرة! تسارعت دقّات قلبي حين شاهدتُ العصفور يقع في المصيدة التي رتّبتها له، وأسرعت إليه، لم أكنْ فرحاً.. بل كنتُ مضطرباً، خائفاً! لا أعرف لماذا…؟
تخيلت نفسي عصفوراً وقع في مصيدةٍ، ولا يستطيع الخروج منها! سمعتُ ضرباتِ جناحي العصفور داخلَ الحفرة، كانت يداي ترتجفان حين بدأتُ عملية القبض على العصفور، بذلتُ جهداً حتّى لا يفلت منّي؛ كنت أريد أن يرى رفاقي العصفور في يدي، لأثبت لهم أنني صياد ماهر مثل أيّ واحد منهم! حفرت حفرة صغيرة جانب الحفرة الكبيرة، وأدخلت يدي، بل تسللت أصابع كفّي الصغيرة بخوف كبير؛ وكأنني سأقبض على جمرات من نار! هاهي أصابعي تلامس الرّيش النّاعم، بدأ العصفور يدور؛ يهرب من أصابعي، وهي تلاحقه.. حتّى أمسكت به.. لم يستسلم العصفور! كان ينتفض بقوّة، فأحطته بكلتا يدي وصرخت بصوت عالٍ: "عصفور.. عصفور.. لقد اصطدت عصفوراً.." لم يسمعني أحد. بدأت أدور في مكاني والعصفور يتخبّط بين يدي المحكمتين عليه، كانت العصافير الأخرى تطير من شجرة إلى أخرى تقفز فوق الأرض؛ تفتش عن غذائها.. حينها شعرتُ أنني فعلتُ شيئاً بشعاً، فارتجفتْ يداي بشدّة، وارتختْ أصابعي، ورأيت عصفوري يمضي كسهم في الفضاء!
مازلت أذكر ذلك كلّما رأيت عصفوراً فأهمس هذا هو عصفوري.
zidane
07-14-2006, 12:57 AM
فراس يلهو
كان فراس ينامُ بعمقٍ حين غادرت أمّه البيت؛ لتشتري الحاجات الضرورية، كعادتها كل يوم، وتعود قبل أن يستيقظ، لكنّ (فراس) لمْ يطلِ النّوم هذا الصباح! فقد استيقظ بعد أنْ غادرتْ أمّه بقليل، نظر في أرجاء الغرفة فلم يجدْ أحداً، فرك عينيه، أنصتَ قليلاً؛ ربّما يسمع أصوات الأطباق التي تغسلها أمُّه كلّ صباح! لكن لا صوت يأتي من ناحية المطبخ، حتّى القطّ الذي يلعب معه كلّ يوم غير موجود!
صاح فراس: "ماما.. ماما" لكنه لم يسمعْ جواباً.. نادى بصوت أقوى، لكنه لمْ يسمعْ أحداً يردّ عليه؛ فبدأ يبكي بصوت قوي لتسمعه أمُّه. دار في الغرفة، وكأنّه يبحث عن شيء أضاعه! فجأة شاهد صورته في المرآة الكبيرة الموجودة أمام الخزانة؛ شاهد صورته تبكي مثله، دهش من وجود ولد في المرآة، فتوقف عن البكاء، واقترب من المرآة؛ وقال للولد الذي في المرآة: "هل تركتك أمُّك مثلي؟".
شاهد كيف تحركت شفتا الولد في المرآة، لكنه لمْ يسمعْ صوته؛ فعاد يقول لـه: "هل أضعت صوتك، ولم تجدْه؟".
وكان يرى شفتي الولد تتحركان في كلّ مرّة يحدّثه! نسي فراس غيابَ أُمِّه، وراح يحدّث طفلَ المرآة وكان الطفل يحدّثه دون صوت، وكلّما اقترب من المرآة؛ كان يشاهد طفل المرآة يقترب منه أكثر، وحين وضع كفَّه على وجه المرآة؛ كان الولد يضع كفّه فوق كفّ فراس أيضاً، وإذا ضحك فراس كان الولد في المرآة يضحك أيضاً!
عادت الأمّ من السّوق؛ دَخَلَتْ بهدوء حتّى لا توقظ ابنها؛ فقد ظنّت أنّه مازال يغطَّ في نوم عميق!
وما إنْ دخلتْ حتّى سمعتْ صوت فراس وضحكاته وكأنّه يحدّثُ أحداً ما، واعتقدتْ أنّ أباه قد عاد لأمر ما فوجده مستيقظاً؛ لكنها فوجئت عندما رأت ابنها يلاعب صورته في المرآة، ويضحك فقالت: "ها أنا قد عدت.. تعال وانظر ماذا أحضرت لك".
فقال فراس دون أن يلتفت: "ليس الآن.. أنا ألعب مع صديقي".
اكتفتِ الأمُّ بابتسامةٍ جميلةٍ، تركتْهُ يلعبُ مع صورتهِ وذهبتْ إلى أعمالها.
zidane
07-14-2006, 12:58 AM
حصّالتي
صباح كل يوم يوزّع أبي، علينا، حصتنا من النّقود المعدنية قبل ذهابنا إلى المدرسة، ويكرّر نصيحته التي حفظناها عن ظهر قلب:
-"اشتروا أشياء مفيدة".
وكان كلٌّ منّا يسعد جداً عندما يضع النقود في جيبه، ويرسم في ذهنه مغامرة صغيرة تناسب قيمة هذه القطع!
-"سأشتري الطّباشير الملونة، وأقدّمها للمعلمة".
-"سأشتري صحناً من الفول من أبي محمود"…
لكن أخي وائلِ كان يسرع إلى المكتبة الخشبية، التي وضع، على أسفل رفٍ منها، حصالته التي أهدتها إليه أمُّنا! فنسمع صوت القطع النقدية المعدنية المتساقطة في الحصّالة، وكان هذا يثيرني حقّاً! وأتساءل: "لِمَ يستطيع وائل الصّغير أنْ يوفّر نقوده، ولا تغريه بالشراء من دكّان البقال؟!" وكثيراً ما شعرتُ بالحسد والإعجاب بقدرته على الصبر بتوفير (خرجيته) بينما، نحن الكبار، لا نستطيع مقاومة إغراء الحلوى اللذيذة، والأشياء الجميلة التي تلمعُ خلفَ زجاج المعارض التجارية؛ وقررتُ مرّة أنْ أشتري حصّالة وقلت في نفسي:
-"سأضعُ فيها كلَّ ما أحصلُ عليه من نقودٍ منْ أبي وأمّي وجدتي".
ولكنني لم أستطعْ شراء الحصّالة؛ فقد تبخّرت نقودي قبل أن أدخل باحة المدرسة، لأنّ البخار المتصاعد من عربة العم أبي محمود، بائع الفول حرّك الرّغبة داخلي؛ أن أتذوق طعم الفول مع الحمض؛ وشعرت بالنّدم ولكن بعد فوات الأوان، وشغلني ذلك كثيراً، حتّى أني شردتُ أثناء شرح الدّرس ونبهني المعلم:
-"مالكَ ياربيع.. هل تشعرُ بشيء؟ ماذا يشغلُ ذهنك هذا اليوم؟".
وشعرتُ بخجلٍ شديدٍ، وحسبت أن كلّ زملائي ينظرون إليّ!
وفي البيت قلت لأمّي: "ماما.. أريد حصالة كحصّالة وائل".
لاحظت أمّي علامات الانزعاج باديةً على وجهي فقالت:
-"هل هذا ما يشغل بالك ويزعجك؟".
قلت: "سأحاول أن أوفّر مثل وائل".
ابتسمت أمّي قائلةً:
-"لا تقلقْ.. سيكون لك حصّالةٌ هذا اليوم وقبل مغيب الشّمس".
فعلاً، لقد برّتْ أمّي بوعدها، واشترتْ لي حصالةً تشبه حصالة وائل، لكنها تختلف باللون! حملتُ الحصالة بيدين مرتعشتين؛ وكأنّي أحمل كنزاً! ودارت في ذهني أحلام كثيرة..
-"ستمتلئ حصّالتي بالنقود.. وسأشتري ما أشتهي من الألعاب والحلوى..
سأشارك في الرّحلة المدرسية دون أن أكلّف أبي دفع المبلغ المطلوب.. سأصلح دراجتي المعطّلة، وألعب بها في أوقات فراغي".
وتوالتِ الأفكار والأحلام.. كانت أمّي تراقبُ انفعالاتي البادية على وجهي والابتسامة تضيء وجهها!
قالت وهي تعطيني عدّة قطع من النقود المعدنية:
-"ضعْ هذه النقود في حصّالتك الجديدة، وحاولْ أن تضيف إليها كلّ صباح".
أسقطت القطع النقدية داخل حصالتي قطعةً قطعةً بينما كانت تدور صور كثيرة في مخيلتي.. دراجتي التي تنتظر الإصلاح، الرحلة المدرسية.. عربة الفول والبخار المتصاعد منها، القصص المصورة في واجهة المكتبة القريبة من بيتنا!
اختلطت كلّ هذه الصّور وأنا أضع حصّالتي الجديدة إلى جانب حصّالة أخي وائل
zidane
07-14-2006, 12:59 AM
ماذا يقول البحر
وقفت صبا على شاطئ البحر، نظرت إلى البعيد حيث يلتقي البحر بخط الأفق، كان المنظر مدهشاً حركت عينيها في جميع الجهات رأت زورقاً بعيداً، كان يبدو صغيراً جداً، تمنت في نفسها لو أنّها تركب هذا الزورق، وتجوب أنحاء البحر الرّحب، وتذكرت أنّها لم تتعلم السباحة بعد! فإذا سقطت في الماء ماذا يجري لها؟
لامست موجةٌ قدمي صبا بلطف، وجعلتها تنتبه من شرودها، وجلست كي تراقب مدّ الموج وجزره، اقتربت أكثر حيث تلطمها الموجات المتلاحقة، أدهشها هسيس الموج فوق الرّمل في تقدمّه وتراجعه، وتساءلت: "ماذا يقول البحر للرمل، وماذا يقول الرّمل لـه؟". وخطر لها أن تكتب اسمها في دفتر الشاطئ: كتبت (صبا) جاءت يد البحر ومحتها، أعادت صبا الكتابة، امتدّتْ يدُ البحر مرّة أخرى ومحتها، لعبت صبا مع البحر طويلاً، بَنَتْ بيتاً كبيراً من الرّمل، وجعلت لـه سوراً من الرّمل أيضاً لكن البحر أرسل موجةً كبيرة هدمت لها البيت والسّور، لم تستسلم صبا بل أعادت بناء البيت الرّملي والسور أيضاً، لكن هذه المرة، في مكان بعيد عن يد البحر وعندما أنهت بناء بيتها الرّملي نفضت يديها من آثار الرّمل وقالت موجهة كلامها إلى البحر: "هيه.. لا يمكنك هدم بيتي هذه المرّة" كانت الأمواج تركض وتركض، لكنها لم تصل إلى البيت الذي بنته صبا، كانت صبا سعيدة لقد لعبت مع البحر طويلاً.
zidane
07-14-2006, 01:10 AM
حلم أسامة
كان أسامة يقفز وهو يترنّم "ترلّلا.. ترلّلا، ترلّلا" حين سمع هدير طائرة في السّماء، وقف ورفع رأسه إلى أعلى؛ محاولاً أن يرى هذه الطائرة! وتذكر سؤال معلِّمه للتلاميذ في الصّف: "ماذا تحبّ أن تكون في المستقبل؟" وحينها فكر أسامة: هل أقول: أحبّ أن أكون معلماً، أو لاعباً رياضياً؟" تذكر صياح التلاميذ "أنا أحب أن أكون سائق سيارة أنا أريد أن أكون شرطي مرور، وأنا سأكون فناناً، أنا… أنا…". كانت الطائرة قد غابت عن عيني أسامة وصوت محركها تلاشى أيضاً، لكن مازال صدى ذلك الصّوت في ذهن أسامة.. صاح أسامة بصوت عالٍ: أحبّ أن أكون طياراً، وضاع صوته في الفضاء مثل صوت الطائرة، وبدأ خياله يصوّر لـه نفسه طياراً يقود طائرة حربية تحمي سماء الوطن، ثم طياراً يقود طائرة زاخرة بالرّكاب.. كان يقف ويراقب السماء شاهد غيوماً متفرقة وبضع حمامات تطير في سرب واحد، عاد يقفز فرحاً وهو يردّد: ترلّلا.. تلالّلا.. أنا طيار، أنا طيار…
zidane
07-14-2006, 01:11 AM
أولاد قوس قزح
دهش الأولاد حين علموا أنّ (ماهر) سيملأ سلّته بالكرز، فشجر الكرز لا يثمر في الشتاء!
قالت سوسن: "من أين ستملأ سلّتك بالكرز؟" أشار ماهر بيده إلى السّماء:
-"انظروا، هذه شجرة قوس قزح تحمل كرزاً كثيراً". نظر الأولاد إلى الجهة التي أشار إليها ماهر؛ كان قوس قزح بألوانه المميزة يبدو رائعاً.
قال مجد: "في بستان قوس قزح أشجار تحمل برتقالاً ناضجاً".
صفّقتْ (نجود) وصاحتْ بصوت عالٍ:
"ما أجمل هذه الحبال الملونة! سأختار الحبل الأصفر لألعب لعبة نطِّ الحبل"
وقال (منار): "أنا أرى حقلاً أخضر، سآخذ خروفي ليرعى وجبةً من العشب الطري".
قالت تيماء: "إنّه قلمي الأزرق، صعد ليلوّن السماء".
أمّا فاطمة، فقد تذكرت أنّ أمّها طلبت منها أن تشتري أقراص "نيل" لتجمّل الغسيل.
فقالت: "سأحمل الغسيل إلى بحيرة قوس قزح النّيلية، ليصبح الغسيل زاهياً".
كانت عبير تنظر إلى قوس قزح مع رفاقها ورفيقاتها فقالت: "ألمْ تشاهدوا أزهار قوس قزح البنفسجية؟ انظروا.. ما أجملها!".
قال أحدُ الأولاد: "سأرسم قوس قزح في دفتري كي لا أنساه".
وحين غاب قوس قزح حزن الأولاد كثيراً.
قالت سوسن: ربّما ركب أولاد قوس قزح ظهر غيمة وذهبوا ليحضروا لنا الهدايا الجميلة!"
وتمنّى مجد أن يهطل المطر بغزارة ليسقي الحقول وكانت نجود تقول لأصدقائها:
"ما أجمل أن أحصل على منديل لأقدّمه هدية لأمي في عيدها!"
وأخيراً قرّر الأولاد أن يلعبوا لعبةً مفيدة.
-قال ماهر: "تعالوا يا أصدقائي نكوّن قوس قزح". تجّمع الأولاد فرحين. قالت سوسن:
-"وكيف ذلك؟".
قال ماهر: "أنا الكرز الأحمر".
قال مجد: "أنا البرتقال، الجميع يعرفني".
قالت نجود: "أنا الليمون الأصفر، تحتاجون إليّ دائماً".
قال منار: "أنا العشب الأخضر، لتأتِ كلّ الخراف وترعى".
أمّا تيماء فقد صفّقت ضاحكة وهي تقول:
-"أنا البحر يحبني الجميع، ويتمتعون برزقتي الصافية. في الصّيف أحمل المراكب الصغيرة، والسفن الكبيرة ويسبح الأطفال في مياهي مع الأسماك الملونة". غمزت فاطمة بعينها مبتسمة:
-"سأطير إلى البحر وأغمر الغسيل في مياهه الزّرقاء ليكتسب زرقة السّماء الصّافية".
ظهر قوس قزح مرّة ثانية، كان المطر يهطل مبشراً بعطاءات الحقول، وكان الأولاد يرقصون تحت المطر!
MoHaMMeD-PokoRa
07-14-2006, 02:07 AM
شكرا لك صديقي
تحياتــــــــــــي
رائعا فعلا شكرا اخي زيدان على المجهود الكبير
sakani
08-16-2006, 02:49 PM
شكراً لك اخي الكريم
Powered by vBulletin™ Version 4.0.3 Copyright © 2012 vBulletin Solutions, TranZ by Almuhajir