Islam_Way
01-03-2005, 02:29 AM
من أين القرآن ؟
· وقفة قصيرة مع الكمبيوتر .
· هل في القرآن أسرار حسابية .
إذا ثبت أن القرآن منزل من عند الله سبحانه ـ وهو لا يمكن إلاَّ أن يكون كذلك كما سنرى ـ فسيكون أعظـم حجة على أهل الأرض منذ تنـزيله .
فالمطلوب في هذه العجالة ، إثبات أنه من لدن رب العالمين .
معلوم أن وجوه الإعجاز في القرآن كثيرة وكثيرة جـداً ، منها ما هو باطني ومنه الإعجاز التركيبـي المولّد للطاقة الفاعلة ، وبه تحدّى الله الإنس والجن على أن يأتوا بسورة من مثله . ومنها ما هو رقمي معقّد يعتمد البسملة الرقم (19) قاسماً مشتركاً لما يسمّى بالأحرف النورانية ، وهي الأحرف الموجودة في مفاتيح السور ، مثل كهيعص وحمعسق وغيرها . وهو اكتشاف مدهش ، كشف عن سرّ واحد من الأسرار الكثيرة العجيبة لهذه المفاتيح النورانية ، التي هي بمثابة ( الشيفرة ) بين الله عزّ وجلّ وبين أهل الزلفى من عباده .
وقد قام بإزاحة الستار عن سرِّها الحسابي ، الدكتور / رشاد خليفة المصري ، أثناء وجوده في الأمم المتحدة مندوبـاً عن حكومته . ولمـا كان قد عزم على ترجمة القرآن المجيد إلى اللغة الإنكليزية ، بادئـاً بسورة البقرة ، كان لا بدَّ له من وقفة طويلة محيّرة أمـام " بسم الله الرحمن الرحيم ألـم " ما هو معناها ؟ وماذا يقول لقراء الإنكليزية في ترجمتها ؟
وبتكرارها.. فتح الله عليه ، وَأَلجـأه إلى العقل الألكتروني ، وقد آن آوانه لعرض هذا التحدّي الجديد، في بناء القرآن ، إضافة للتحدّيات السابقـة ، في ظاهره وباطنه، وتفسيره وتأويله، وجَرْسِهِ وبيانِهِ ، وعجيب كنوزه وأسراره .
* * * *
* الأحرف النورانية ( شيفرة ) يفتح الله ببعضها على أوليائه أبواب السموات والأرض .
* الأحرف النورانية من الأسرار المطلسمة ، ما حاولها طامع معاند إلاَّ لفح أو هوى أو احترق .
* بسببها وبغيره اتهم رسول الله صلى الله عليه وآله أن به جُنَّة .
* لا عرافة ولا كهانة في فداء عبد الله والد رسول الله صلى الله عليه وآله .
لقد كانت هذه المفاتيح أو الأحرف النورانيـة التي لا معنى لها في الظاهر ، من الأمور المهمة جداً التي امتحن بها الله الإنس والجن ، فالذين انخلعوا من الدنيا ، ونذروا أنفسهم بدون شرك ظاهر أو خفي لرب السموات والأرض رب العرش العظيم . الذي بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه ، أعطاهم هيبة هذه ( الشيفرة ) فخشعوا وخضعوا له وأخذوا بمزيد مـن التقوى ، وقد أكرمهم الله تعالى فأسماهم الراسخين في العلم ، لما ذكرناه في بحث سابق(*)، ولخشيتهم من كشف أسرارها بدون إذن أو مؤشر، وهو قال سبحانه :
{ وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى }(1).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة طـه ، الآية 7 . (*) كتاب ( الحكمة الإسلامية ـ بحوث من مقتضيات العصر ) .
ومدحهم بقوله تبارك وتعالى :
{..وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا..}(1).
وبنسبة درجاتهم في مفهوم التوحيد أفاض عليهم أسرار هذه المفاتيح ، أو من أسرارها ، في مجالات تطهير النفس وتقرّبها من بارئها ، أو في دفع الأذى عن النفس وعن المؤمنين ، بشرط كتمانها ، حيث إن النفوس العادية وما دون العادية غير مؤهلة لها ، على أن فاعليتها وآثارها العجيبـة وإن كانت تخصُّ أهل العرفان :
{ لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ }(2) . إلاَّ أنها تنفع وتعمُّ جميع المؤمنين .
أما أهل الشرك في زمن محمّد صلى اله عليه وآله فقد زعم فريق منهم أنه رجل به جِنَّة قياساً من جهة على ما كان سائداً في أيامهم من العرافة والكهانة ، اللتين تعتمدان الجن ، ومن جهة لزعمهم أن الحروف المقطعة ، ربما كانت من لغة الجن وكلامهم ، لا سيّما وأنهم كانوا يعتبرون الجن خلقاً أعقل وأقوى من الإنسان ، وأنهم يعلمون غيب السموات والأرض ، لذلك كان بعض الناس آنذاك يلجأون إلى الجن يسألونهم عن الغيب ، فكانت شياطينهم تكذب على الناس ، بما لم ينزل الله به من سلطان .
أما حكاية شق وسطيح وأوصافهما وأخبارهما فمطعون بها ومعتبرة من جملة الأساطير .
وأما قضية عبد المطلب وولده عبد الله والد رسول الله صلى الله عليه وآله وأنه لجأ إلى امرأة قيل إنها عرافة تستعين بالجن ، فهذا الأمر أيضاً تجنَّى فيه بعض المؤرخين على الحقيقة ، والواقع أن هذه المرأة اشتهرت بتقواها وبالحصافة والحكمة ، وكان يقصـدها الناس لشهرتـها ، فكانـت تشير عليهـم بالرأي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة آل عمران ، الآية 7 .
(2) سورة الحج ، الآية 67 .
السديد ، والسلوك الرشيد . وعندما منع العرب عبد المطلب من ذبح إبنه عبد الله وفاء لنذره ، قصدها مع رهط من قومه ليرى رأيها في هذا الأمر الخطير ، وكان لله سبحانه شأن عظيم ، حيث شاء أن يكون صفوة الله في خلقه محمّد صلى الله عليه وآله إبناً للذبيحين : إسماعيل الذي فداه الله بكبش عظيم ، وعبد الله الذي فداه عزّ وجلّ بمائة ناقة ، وقد أوحى سبحانه إلى تلك المرأة ، كما أوحى من قبل إلى أم موسى عليه السلام . وذلك لأن الأمر يتعلق برجل في صلبه أعظم رجل في تاريخ البشرية محمّد رسول الله وخاتم النبيين ، وقد جعل الله هذه المقدمات ، إعزازاً وتكريماً له ولبيته الكريم ، بسبب دورهم الجهادي التاريخي العظيم .
فسألت المرأة القوم : كم فدية الرجل عندكم ؟ فقالوا : عشر نياق ، فقالت ، ضعوا عبد الله في جانب ، وضعوا في جانب آخر عشر نياق ، ثم أرسلوا القداح ، فإذا اختارت عبد الله فزيدوا عشراً ، وهكذا حتى تتحول القداح عن عبد الله . وتمّت مشيئة الله ، إذ ظلّت القداح تختار عبد الله عشر مرات ، في كل مرة تزاد معها الإبل عشرأ ، وعندما أصبح عدد الإبل مائة ، تحولت القداح إلى الإبل ، وهو فداء ما عرفه تاريخ العرب ، تحدّث به القوم طويلاً في أنديتهم ، وتحدّثت به الركبان ، وتحدّثت به الأجيال وما زالت . وما أروع عبد المطلب ، وما أصدق إيمانه وما أعمقه ، حيث إنه أصرّ على إرسال القداح ، بعد ذلك ثلاث مرات تباعاً وفي جميعها تقع القداح على النياق ، وعندها تنفّس الصعداء لا حرصاً على عاطفته ولا حرصاً على ولده ، ولا حرصاً على مشاعر العرب ، وإنما حرصاً على رضى الله عزّ شـأنه ، ربّه وربّ عبد الله ، وربّ العرب والعجم ، ربّ العالمين ، وهكذا أصبح على يقين لا يعتوره أدنى شك أن الأمر كله ، إنما هو بتدبير من الله سبحانه وبعنايته ورحمته ، وأنه سبحانه ابتلاه فنجح في الإبتلاء فجزاه خير الجزاء .
أعلـى يد امرأة ؟! هي كلمته سبحانه يجريها على يد من يشاء من عباده ، رجلاً كان أم امرأة ، ولشدّ ما يجرح مفهوم التوحيد والفكر الإسلامي
فيما بعد ، أن ينسب ذلك إلى الكهانة أو العرافة أو الجن . إنما هي الحنيفية ، حنيفية إبراهيم ، التي كان ما زال عبد المطلب محافظاً حريصاً عليها ، وهو الذي يعرف بيقينية عظيمة ، أن الله وحده تبارك وتعالى هو الذي هيّأ له ولإبنه من أمرهما فرجاً ومخرجاً . وكلمته لأبرهة الأشرم الذي قاد جيشاً لهدم الكعبة ، ما زالت تدوي في سمع البشرية : ( أما الشياه فأنا ربّها وللبيت ربّ يحميه ) .
وصدق عبد المطلب إذ حمى رب البيت بيته ، واللائذين ببيته ، ومزّق أبرهة وجيشه شرّ ممزق . فلو كان عبد المطلب يؤمن بالعرافة وبأن الجن تأتي بالغيب ، لكان لجأ للعرافة وللجن ليدفعا عن البيت العتيق الذي يتولّى هو سدانته .
وأما الأواخر ، وخاصة في قرننا هذا العشرين ، فهم أيضاً ، وفي سياق ما اتهموا به جميع الأنبياء ، ومبدأ النبوة أصلاً ، فقد اتهموا محمّداً صلى الله عليه وآله بحالة من الجنون ، ولكن بصياغات وعبارات مستحدثة ، أبرزها أن ما تركه هو حالة من الهذيان ، هي من نتاج العقل الباطن ، مع تأكيدهم أن صاحب هكذا حالة ، يكون حديثه فوضى لا يقرّه عقل ولا علم ولا منطق ، وحيث إنهم لم يجدوا ثغرة لينفذوا منها سواء في شخصية محمّد صلى الله عليه وآله أو في القرآن الكريم ، فقد تمسكوا بهذه الأحرف المقطعة ، واعتبروها مصداقاً لنظريتهم واتهامهم ، إذ إنها لا تعني لأحد شيئاً ، متوقفين عندها ، متعامين عن البناء الشامخ للقرآن العظيم ، كمن لا يرى من الكعبة إلاّ مزرابها الذي من ذهب ، ثم يقف عند ظاهر بريقه ، ناسياً حقيقة معدنه فضلاً عن سرّ الرحمة الذي فيه .
وأصحاب هذا الزعم ، هم من الغربيين خاصة ، الذين اشتغلوا بعلم النفس وبعض أتباعهم من المسلمين ، الذين ، وبدون أدنى مسؤولية في حمل أمانة العقل والخلق والبحث العلمي ، اطرحوا القرآن ، ولم يكلفوا أنفسهم في حالات كثيرة حتى مجرد قرأءته ، في وقت يجهدون فيه أبصارهم وأعصابهم وكواهلهم ، بقراءة أحمال من الكتب ، فقط لأنها مكتوبة بلغة المتفوقين في حقل الحضارة الآلية ، أو مترجمة عنها . ولو كان أكثر هذه الكتب محشوّاً بالضلالات والبدع المهلكات ، ولو كان في جملة الحضارة آلة دمارها وهدمها على نفسها .
وصحيح أن الثقافة العالية والتوسّع فيها مطلب رئيسي ، وهو عندنا واجب ديني ، ينبغي الحثّ عليه واعتباره في جملة العبادات ، إلاَّ أنَّ شرطه أن يكون بالعقل المستنير ، وليس بالنفس التابعـة والعينين الضيقتين . والمؤسف جداً أن هؤلاء الأتباع ، أهملوا حتى العين الضيقة واستناموا إلى طريقة التلقين : أسيادهـم ، في فوضاهـم الفكريـة يقولـون ويكتبـون ، وهم يردّدون وينسخـون .
وهذا هدر لكرامة الإنسان ونعمة العقل ، والعقل والكرامة ، يعاقـب الله سبحانه على التفريط بهما ، فساداً وإفساداً ، وضلالاً وإضلالاً ، ويعذب على ذلك في الدنيا والآخرة .
بلى لِعِلْمِ ما في الذرة والمجرّة وما بينهما ، وعِلْمِ ما كان أدق وأعظم ، بَلَى لِفُتُوحَات العلم في الأفاق وفي الأنفس حتى يتبين لهم أنه الحق ، بلى للفكر المقارن والثقافات المقارنة النافعة المؤدية إلى رضى الله ورضوانه ، بلى للتفاعل وتلقيح جميع معطيات الإنسان بالأفضل والأحسن حسب مقاييس الشريعة الإلـهية ، أخذاً وعطاء ، وتمثلاً للنافع ، وتجنباً للضار ، وتحذيراً من الخطر . وبالنتيجة فإن الحكمة ضالة المؤمن يطلبها أين يجدها ، كما جاء في الحديث الشريف .
ولكن لا لمصنفي الكتب التي بلا موازين ولا معايير ولا تستند إلى علم ولا كتاب مبين ، ومكدسي الأوراق تحت عنوان أنهم من أهل الفكر ، ولا يفكرون ، إنتاج على طريقة الآلة بدون إعْمال عقل ورويّة ولا مسؤولية أمام الله فأين يذهبون والله يقول :
{.. سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ . وَأُمْلِـي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ }(1) .
لا لتجار الفكـر ، والمرابين بالكلمة الماكرة ، وأثوابها المستعارة ، الذين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة القلم ، الآيات 44 ـ 45 .
يخونون الله ورسـوله ويخونون أماناتهم زحفاً وراء مال أو شهرة أو كليهما مجتمعين .
ويا ويلهم يوم يطالبهم الله بقوله سبحانه :
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ }(1) .
وأخيراً وليس آخراً ، لا للمقلدين على طريقة القرد والإسكافي الذي سنّ السكين ومرّرها على عنقه فقلّده القرد ، فذبح نفسه ، إلاَّ أن مقلدي أهل الباطل والفكر الباطل ، إضافة إلى أنفسهم ، أدموا الإنسانية وتهجموا على رسالة السماء التي هي الإسلام والذي هو سفينة نجاة البشرية وما زالوا يحاولونه طعناً وتجريحاً ، ولولا أنَّ الله بعزّته سبحانه وعد بنصرته وإظهاره على الدين كله إلى قيام الساعة لكان في ذبائحهم منذ زمن طويـل . قوله تبارك وتعالى :
{ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ }(2).
ومن هو الخاسر ومن الرابح ، آنياً ومستقبلاً ، على كوكبنا هذا ، وغداً بعد الموت والإنبعاث عليه وعلى غيره من الكواكب ، التي يقول العلم إن منها الرائع جمالاً ولطافة مناخ ، وهناءة جاذبية يستطيع الإنسان معها الطيران ،
ومنها الموحش المفزع ، حيث تصل درجة الجذب إلى ثقل مرهق ، بالكاد يستطيع الإنسان معهـا قلـع قدميـه من الأرض ، وتصل درجـة الحرارة إلى
درجة غليان المـاء كما هو في الزهرة ، وذوبان الحديد كما في عطارد ، وهذه الأمثلة ليست للحصر والتحديد ، وإنما لأخذ فكرة أولية ، عن حكاية الخلود في نعيم أو الخلود في جحيم .
· وقفة قصيرة مع الكمبيوتر .
· هل في القرآن أسرار حسابية .
إذا ثبت أن القرآن منزل من عند الله سبحانه ـ وهو لا يمكن إلاَّ أن يكون كذلك كما سنرى ـ فسيكون أعظـم حجة على أهل الأرض منذ تنـزيله .
فالمطلوب في هذه العجالة ، إثبات أنه من لدن رب العالمين .
معلوم أن وجوه الإعجاز في القرآن كثيرة وكثيرة جـداً ، منها ما هو باطني ومنه الإعجاز التركيبـي المولّد للطاقة الفاعلة ، وبه تحدّى الله الإنس والجن على أن يأتوا بسورة من مثله . ومنها ما هو رقمي معقّد يعتمد البسملة الرقم (19) قاسماً مشتركاً لما يسمّى بالأحرف النورانية ، وهي الأحرف الموجودة في مفاتيح السور ، مثل كهيعص وحمعسق وغيرها . وهو اكتشاف مدهش ، كشف عن سرّ واحد من الأسرار الكثيرة العجيبة لهذه المفاتيح النورانية ، التي هي بمثابة ( الشيفرة ) بين الله عزّ وجلّ وبين أهل الزلفى من عباده .
وقد قام بإزاحة الستار عن سرِّها الحسابي ، الدكتور / رشاد خليفة المصري ، أثناء وجوده في الأمم المتحدة مندوبـاً عن حكومته . ولمـا كان قد عزم على ترجمة القرآن المجيد إلى اللغة الإنكليزية ، بادئـاً بسورة البقرة ، كان لا بدَّ له من وقفة طويلة محيّرة أمـام " بسم الله الرحمن الرحيم ألـم " ما هو معناها ؟ وماذا يقول لقراء الإنكليزية في ترجمتها ؟
وبتكرارها.. فتح الله عليه ، وَأَلجـأه إلى العقل الألكتروني ، وقد آن آوانه لعرض هذا التحدّي الجديد، في بناء القرآن ، إضافة للتحدّيات السابقـة ، في ظاهره وباطنه، وتفسيره وتأويله، وجَرْسِهِ وبيانِهِ ، وعجيب كنوزه وأسراره .
* * * *
* الأحرف النورانية ( شيفرة ) يفتح الله ببعضها على أوليائه أبواب السموات والأرض .
* الأحرف النورانية من الأسرار المطلسمة ، ما حاولها طامع معاند إلاَّ لفح أو هوى أو احترق .
* بسببها وبغيره اتهم رسول الله صلى الله عليه وآله أن به جُنَّة .
* لا عرافة ولا كهانة في فداء عبد الله والد رسول الله صلى الله عليه وآله .
لقد كانت هذه المفاتيح أو الأحرف النورانيـة التي لا معنى لها في الظاهر ، من الأمور المهمة جداً التي امتحن بها الله الإنس والجن ، فالذين انخلعوا من الدنيا ، ونذروا أنفسهم بدون شرك ظاهر أو خفي لرب السموات والأرض رب العرش العظيم . الذي بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه ، أعطاهم هيبة هذه ( الشيفرة ) فخشعوا وخضعوا له وأخذوا بمزيد مـن التقوى ، وقد أكرمهم الله تعالى فأسماهم الراسخين في العلم ، لما ذكرناه في بحث سابق(*)، ولخشيتهم من كشف أسرارها بدون إذن أو مؤشر، وهو قال سبحانه :
{ وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى }(1).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة طـه ، الآية 7 . (*) كتاب ( الحكمة الإسلامية ـ بحوث من مقتضيات العصر ) .
ومدحهم بقوله تبارك وتعالى :
{..وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا..}(1).
وبنسبة درجاتهم في مفهوم التوحيد أفاض عليهم أسرار هذه المفاتيح ، أو من أسرارها ، في مجالات تطهير النفس وتقرّبها من بارئها ، أو في دفع الأذى عن النفس وعن المؤمنين ، بشرط كتمانها ، حيث إن النفوس العادية وما دون العادية غير مؤهلة لها ، على أن فاعليتها وآثارها العجيبـة وإن كانت تخصُّ أهل العرفان :
{ لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ }(2) . إلاَّ أنها تنفع وتعمُّ جميع المؤمنين .
أما أهل الشرك في زمن محمّد صلى اله عليه وآله فقد زعم فريق منهم أنه رجل به جِنَّة قياساً من جهة على ما كان سائداً في أيامهم من العرافة والكهانة ، اللتين تعتمدان الجن ، ومن جهة لزعمهم أن الحروف المقطعة ، ربما كانت من لغة الجن وكلامهم ، لا سيّما وأنهم كانوا يعتبرون الجن خلقاً أعقل وأقوى من الإنسان ، وأنهم يعلمون غيب السموات والأرض ، لذلك كان بعض الناس آنذاك يلجأون إلى الجن يسألونهم عن الغيب ، فكانت شياطينهم تكذب على الناس ، بما لم ينزل الله به من سلطان .
أما حكاية شق وسطيح وأوصافهما وأخبارهما فمطعون بها ومعتبرة من جملة الأساطير .
وأما قضية عبد المطلب وولده عبد الله والد رسول الله صلى الله عليه وآله وأنه لجأ إلى امرأة قيل إنها عرافة تستعين بالجن ، فهذا الأمر أيضاً تجنَّى فيه بعض المؤرخين على الحقيقة ، والواقع أن هذه المرأة اشتهرت بتقواها وبالحصافة والحكمة ، وكان يقصـدها الناس لشهرتـها ، فكانـت تشير عليهـم بالرأي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة آل عمران ، الآية 7 .
(2) سورة الحج ، الآية 67 .
السديد ، والسلوك الرشيد . وعندما منع العرب عبد المطلب من ذبح إبنه عبد الله وفاء لنذره ، قصدها مع رهط من قومه ليرى رأيها في هذا الأمر الخطير ، وكان لله سبحانه شأن عظيم ، حيث شاء أن يكون صفوة الله في خلقه محمّد صلى الله عليه وآله إبناً للذبيحين : إسماعيل الذي فداه الله بكبش عظيم ، وعبد الله الذي فداه عزّ وجلّ بمائة ناقة ، وقد أوحى سبحانه إلى تلك المرأة ، كما أوحى من قبل إلى أم موسى عليه السلام . وذلك لأن الأمر يتعلق برجل في صلبه أعظم رجل في تاريخ البشرية محمّد رسول الله وخاتم النبيين ، وقد جعل الله هذه المقدمات ، إعزازاً وتكريماً له ولبيته الكريم ، بسبب دورهم الجهادي التاريخي العظيم .
فسألت المرأة القوم : كم فدية الرجل عندكم ؟ فقالوا : عشر نياق ، فقالت ، ضعوا عبد الله في جانب ، وضعوا في جانب آخر عشر نياق ، ثم أرسلوا القداح ، فإذا اختارت عبد الله فزيدوا عشراً ، وهكذا حتى تتحول القداح عن عبد الله . وتمّت مشيئة الله ، إذ ظلّت القداح تختار عبد الله عشر مرات ، في كل مرة تزاد معها الإبل عشرأ ، وعندما أصبح عدد الإبل مائة ، تحولت القداح إلى الإبل ، وهو فداء ما عرفه تاريخ العرب ، تحدّث به القوم طويلاً في أنديتهم ، وتحدّثت به الركبان ، وتحدّثت به الأجيال وما زالت . وما أروع عبد المطلب ، وما أصدق إيمانه وما أعمقه ، حيث إنه أصرّ على إرسال القداح ، بعد ذلك ثلاث مرات تباعاً وفي جميعها تقع القداح على النياق ، وعندها تنفّس الصعداء لا حرصاً على عاطفته ولا حرصاً على ولده ، ولا حرصاً على مشاعر العرب ، وإنما حرصاً على رضى الله عزّ شـأنه ، ربّه وربّ عبد الله ، وربّ العرب والعجم ، ربّ العالمين ، وهكذا أصبح على يقين لا يعتوره أدنى شك أن الأمر كله ، إنما هو بتدبير من الله سبحانه وبعنايته ورحمته ، وأنه سبحانه ابتلاه فنجح في الإبتلاء فجزاه خير الجزاء .
أعلـى يد امرأة ؟! هي كلمته سبحانه يجريها على يد من يشاء من عباده ، رجلاً كان أم امرأة ، ولشدّ ما يجرح مفهوم التوحيد والفكر الإسلامي
فيما بعد ، أن ينسب ذلك إلى الكهانة أو العرافة أو الجن . إنما هي الحنيفية ، حنيفية إبراهيم ، التي كان ما زال عبد المطلب محافظاً حريصاً عليها ، وهو الذي يعرف بيقينية عظيمة ، أن الله وحده تبارك وتعالى هو الذي هيّأ له ولإبنه من أمرهما فرجاً ومخرجاً . وكلمته لأبرهة الأشرم الذي قاد جيشاً لهدم الكعبة ، ما زالت تدوي في سمع البشرية : ( أما الشياه فأنا ربّها وللبيت ربّ يحميه ) .
وصدق عبد المطلب إذ حمى رب البيت بيته ، واللائذين ببيته ، ومزّق أبرهة وجيشه شرّ ممزق . فلو كان عبد المطلب يؤمن بالعرافة وبأن الجن تأتي بالغيب ، لكان لجأ للعرافة وللجن ليدفعا عن البيت العتيق الذي يتولّى هو سدانته .
وأما الأواخر ، وخاصة في قرننا هذا العشرين ، فهم أيضاً ، وفي سياق ما اتهموا به جميع الأنبياء ، ومبدأ النبوة أصلاً ، فقد اتهموا محمّداً صلى الله عليه وآله بحالة من الجنون ، ولكن بصياغات وعبارات مستحدثة ، أبرزها أن ما تركه هو حالة من الهذيان ، هي من نتاج العقل الباطن ، مع تأكيدهم أن صاحب هكذا حالة ، يكون حديثه فوضى لا يقرّه عقل ولا علم ولا منطق ، وحيث إنهم لم يجدوا ثغرة لينفذوا منها سواء في شخصية محمّد صلى الله عليه وآله أو في القرآن الكريم ، فقد تمسكوا بهذه الأحرف المقطعة ، واعتبروها مصداقاً لنظريتهم واتهامهم ، إذ إنها لا تعني لأحد شيئاً ، متوقفين عندها ، متعامين عن البناء الشامخ للقرآن العظيم ، كمن لا يرى من الكعبة إلاّ مزرابها الذي من ذهب ، ثم يقف عند ظاهر بريقه ، ناسياً حقيقة معدنه فضلاً عن سرّ الرحمة الذي فيه .
وأصحاب هذا الزعم ، هم من الغربيين خاصة ، الذين اشتغلوا بعلم النفس وبعض أتباعهم من المسلمين ، الذين ، وبدون أدنى مسؤولية في حمل أمانة العقل والخلق والبحث العلمي ، اطرحوا القرآن ، ولم يكلفوا أنفسهم في حالات كثيرة حتى مجرد قرأءته ، في وقت يجهدون فيه أبصارهم وأعصابهم وكواهلهم ، بقراءة أحمال من الكتب ، فقط لأنها مكتوبة بلغة المتفوقين في حقل الحضارة الآلية ، أو مترجمة عنها . ولو كان أكثر هذه الكتب محشوّاً بالضلالات والبدع المهلكات ، ولو كان في جملة الحضارة آلة دمارها وهدمها على نفسها .
وصحيح أن الثقافة العالية والتوسّع فيها مطلب رئيسي ، وهو عندنا واجب ديني ، ينبغي الحثّ عليه واعتباره في جملة العبادات ، إلاَّ أنَّ شرطه أن يكون بالعقل المستنير ، وليس بالنفس التابعـة والعينين الضيقتين . والمؤسف جداً أن هؤلاء الأتباع ، أهملوا حتى العين الضيقة واستناموا إلى طريقة التلقين : أسيادهـم ، في فوضاهـم الفكريـة يقولـون ويكتبـون ، وهم يردّدون وينسخـون .
وهذا هدر لكرامة الإنسان ونعمة العقل ، والعقل والكرامة ، يعاقـب الله سبحانه على التفريط بهما ، فساداً وإفساداً ، وضلالاً وإضلالاً ، ويعذب على ذلك في الدنيا والآخرة .
بلى لِعِلْمِ ما في الذرة والمجرّة وما بينهما ، وعِلْمِ ما كان أدق وأعظم ، بَلَى لِفُتُوحَات العلم في الأفاق وفي الأنفس حتى يتبين لهم أنه الحق ، بلى للفكر المقارن والثقافات المقارنة النافعة المؤدية إلى رضى الله ورضوانه ، بلى للتفاعل وتلقيح جميع معطيات الإنسان بالأفضل والأحسن حسب مقاييس الشريعة الإلـهية ، أخذاً وعطاء ، وتمثلاً للنافع ، وتجنباً للضار ، وتحذيراً من الخطر . وبالنتيجة فإن الحكمة ضالة المؤمن يطلبها أين يجدها ، كما جاء في الحديث الشريف .
ولكن لا لمصنفي الكتب التي بلا موازين ولا معايير ولا تستند إلى علم ولا كتاب مبين ، ومكدسي الأوراق تحت عنوان أنهم من أهل الفكر ، ولا يفكرون ، إنتاج على طريقة الآلة بدون إعْمال عقل ورويّة ولا مسؤولية أمام الله فأين يذهبون والله يقول :
{.. سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ . وَأُمْلِـي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ }(1) .
لا لتجار الفكـر ، والمرابين بالكلمة الماكرة ، وأثوابها المستعارة ، الذين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة القلم ، الآيات 44 ـ 45 .
يخونون الله ورسـوله ويخونون أماناتهم زحفاً وراء مال أو شهرة أو كليهما مجتمعين .
ويا ويلهم يوم يطالبهم الله بقوله سبحانه :
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ }(1) .
وأخيراً وليس آخراً ، لا للمقلدين على طريقة القرد والإسكافي الذي سنّ السكين ومرّرها على عنقه فقلّده القرد ، فذبح نفسه ، إلاَّ أن مقلدي أهل الباطل والفكر الباطل ، إضافة إلى أنفسهم ، أدموا الإنسانية وتهجموا على رسالة السماء التي هي الإسلام والذي هو سفينة نجاة البشرية وما زالوا يحاولونه طعناً وتجريحاً ، ولولا أنَّ الله بعزّته سبحانه وعد بنصرته وإظهاره على الدين كله إلى قيام الساعة لكان في ذبائحهم منذ زمن طويـل . قوله تبارك وتعالى :
{ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ }(2).
ومن هو الخاسر ومن الرابح ، آنياً ومستقبلاً ، على كوكبنا هذا ، وغداً بعد الموت والإنبعاث عليه وعلى غيره من الكواكب ، التي يقول العلم إن منها الرائع جمالاً ولطافة مناخ ، وهناءة جاذبية يستطيع الإنسان معها الطيران ،
ومنها الموحش المفزع ، حيث تصل درجة الجذب إلى ثقل مرهق ، بالكاد يستطيع الإنسان معهـا قلـع قدميـه من الأرض ، وتصل درجـة الحرارة إلى
درجة غليان المـاء كما هو في الزهرة ، وذوبان الحديد كما في عطارد ، وهذه الأمثلة ليست للحصر والتحديد ، وإنما لأخذ فكرة أولية ، عن حكاية الخلود في نعيم أو الخلود في جحيم .