soumti_y
10-03-2005, 01:31 AM
الكسوف
معانيه صلاته وأحكامه
بقلم
علي بن حسن الحلبي الأثري
المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهديه الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبد ه ورسوله، أما بعد؛
فإني رأيت لزوم كتابة بحث علمي مختصر في صلاة الكسوف وأسبابها ومقدماتها وما يتعلق بها، لضرورة الواقع وكثرة السؤال وأضطراب الأذهان في الكسوف وما يتصل به من مهمات سائلا ربي سبحانه التوفيق والثبات فأول ما ذكره في هذا المقام أنه لا ارتباط بين الكسوف وبين حوادث أو أحداث معينة تقع أو ممكن وقوعها. قال الإمام ابن القيم رحمه الله (في مفتاح دار السعادة 3/412)؛ (وإنما ذكرنا هذا الفصل [في الكسوف وصلاته] ولم يكن من غرضنا لأن كثيرا من هؤلاء الاحكاميين يموهون على الجهال بأمر الكسوف ويوهمونهم أن قضاياهم وأحكامهم النجومية من السعد والنحس والظفر والغلبة وغيرها هي من جنس الحكم بالكسوف فيصدق بذلك الأغمار والرعاع ولا يعلمون أن الكسوف يعلم بحساب سير النيرين في منازلهما وذلك أمر قد أجرى الله تعالى العادة المطردة به فمن علم ما ذكرنا علم وقت الكسوف ودوامه ومقدراه وسببه وأما انه يقتضي من التأثيرات في الخير والشر والسعد والنحس والأمانة والأحياء وكذا وكذا كما يحكم به منجمون فقول على الله وعلى خلقه بما لا يعلمون).
ومما ينبه عليه - ضرورة ولزوما أن ظاهرة الكسوف هذه عند حدوثها لا يكون لها أي تأثير سلبي على الناس من الناحية الصحية والمعاشية فلا داعي لحبس النفس في البيوت أو إغلاق النوافذ والأبواب أو سد الستائر عليها وإنما يكون الحذر والتحذير فقط من النظر المباشر للشمس علما أن مثل هذا النظر ضار للعين ولو في الحالة الطبيعية للشمس، فكيف في حالة الكسوف التي ينبعث من الشمس أثنائها إشعاعات غير مرئية كالأشعة فوق البنفسجية وتحت الحمراء؟!
وها هنا مسائل علمية متعددة.
المسألة الأولى: معنى الكسوف والخسوف وسببه
قال الإمام ابن الأثير في جامع الأصول (6/164)؛
يقال كسفت الشمس، وكسفها الله؛ يتعدى فعله ولا يتعدى، وكذلك؛ كسف القمر وقد جاء في الحديث؛(كسفت الشمس، وخسفت)، (وكسف القمر وخسف)
واختار بعض العلماء-في القمر- الخاء؛ لقوله عز وجل؛(وخسف القمر)، [القيامة 8]
وقال أستاذنا محمد بن صالح العثيمين-حفظه الله- [في الشرح الممتع] (5/230-237) مبينا سبب الكسوف أو الخسوف:
(سبب كسوف الشمس: أن القمر يحول بينها وبين الأرض، فيحجبها عن الأرض، إما كلها أو بعضها، لكن لا يمكن أن يحجب القمر الشمس عن جميع الأرض؛ لأنه أصغر منها، حتى لو كسفها عن بقعة على قدر مساحة القمر لم يحجبها عن البقعة الأخرى؛ لأنها أرفع منه بكثير، ولذلك لا يمكن أن يكون الكسوف كليا في الشمس في جميع أقطار الدنيا أبدا، إنما يكون في موضع معين مساحته بقدر مساحة القمر، وإذا قلنا بهذا القول المحقق المتيقن؛ إن سبب كسوف الشمس هو حيلولة القمر بينها وبين الأرض؛ تبين أنه لا يمكن الكسوف في اليوم السابع أو الثامن أو التاسع أو العاشر؛ لبعد القمر عن الشمس في هذه الأيام؛ إنما يقرب منها في آخر الشهر.
ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى (24/257)؛ (لا يمكن إن تكسف الشمس إلا في التاسع والعشرين، أو الثلاثين أو آخر الثامن والعشرين لأنه هو الذي يمكن أن يكون قريبا من الشمس فيحول بينها وبين الأرض.
كذلك القمر سبب كسوفه حيلولة الأرض بينه وبين الشمس؛ لأن القمر يستمد نوره من الشمس؛ كالمرآه أمام القنديل.
المسألة الثانية: حكم صلاة الكسوف
أختلف أهل العلم في صلاة الكسوف؛ فنقل الشيخ سيد سابق في فقه السنة (1/213) اتفاق العلماء على أنها (سنة مؤكدة في حق الرجال والنساء)!!
قلت: وهذا متعقب بما قاله الحافظ ابن حجر في (الفتح)(2/527):
(فالجمهور على أنها سنة مؤكدة، وصرح أبو عوانة في صحيحة بوجوبها ولم أره لغيره، إلا ما حكي عن مالك أنه أجراها مجرى الجمعة، ونقل الزين بن المنير عن أبي حنيفة أنه أوجبها، وكذا نقل بعض مصنفي الحنفية أنها واجبة)
وقال الإمام ابن القيم في كتاب ((الصلاة)) ص15 حول القول بالوجوب؛ (وهو قول قوي). وإليه مل أستاذنا العلامة محمد بن صالح العثيمين – حفظه الله – في الشرح الممتع (1/293) قائلا: (وهذا القول قوي جدا… فالقول بالوجوب أقوى من القول بالإستحباب). ومثله ترجيح شيخنا الألباني – عافاه الله – في كتبه تمام المنة (ص261)؛ لما فيها من لفظ الأمر.
المسألة الثالثة: صفة صلاة الكسوف
أولا: النداء لها
قال الإمام ابن دقيق العيد في (الأحكام بشرح عمدة الأحكام) (2/135) (اتفقوا على أنه لا يؤذن ولا يقام).
وقال الشيخ بكر أبو زيد في (تصحيح الدعاء)(ص483): (لهذا ففعلهما أو إحداهما بدعة).
وبوب الإمام البخاري في (صحيحه) (2/533)(الفتح): (باب النداء بالصلاة جامعة في الكسوف).
ثانيا: عدد ركعاتها
هي ركعتان، كل منهما بركوعين: فقد بوب البخاري (1044)، ومسلم (901) عن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت:
خسفت الشمس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس، فقام، فأطال القيام، ثم ركع، فأطال الركوع، ثم قام فأطال القيام – وهو دون القيام الأول – ثم ركع، فأطال الركوع – وهو دون الركوع الأول – ثم سجد، فأطال السجود، ثم فعل في الركعة الثانية مثل ما فعل في الأولى، ثم أنصرف وقد انجلت الشمس، فخطب الناس، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، ولا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته؛ فإذا رأيتم ذلك؛ فادعوا الله، وكبروا وصلوا وتصدقوا). ثم قال: (يا أمة محمد والله ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده، أو تزني أمته، يا أمة محمد! لو تعلمون ما أعلم؛ لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا)
ثالثا: الجهر بالقراءة فيها:
روى البخاري (1065) ومسلم (901) عن عائشة رضي الله عنها؛ جهر النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الخسوف بقراءته، فإذا فرغ من فراءته؛ كبر فركع، وإذا رفع من الركعة؛ قال: (سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد) ثم يعاود القراءة في صلاة الكسوف؛ أربع ركعات في ركعتين، وأربع سجدات.
وبوب عليه البخاري يقوله: (باب الجهر بالقراءة في الكسوف).
رابعا: الدعاء فيها:
روي مسلم (913) عن عبد الرحمن بن سمرة، قال: بينا أنا أرمي بأسهمي بحياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ انكسفت الشمس، فنبذتهن وقلت: لأنظرن إلى ما يحدث للنبي صلى الله عليه وسلم في انكساف الشمس – اليوم – فانتهيت إليه وهو رافع يديه؛ يدعو ويكبر ويحمد ويهلل، حتى جلى عن الشمس، فقرأ سورتين وركع ركعتين.
قلت: لعل هذا الدعاء عقب الركوع الثاني،كالقنوت.
خامسا: صلاتها جماعة وفي المسجد:
بوب الإمام البخاري في صحيحة (2/522 الفتح): (باب صلاة الكسوف في المسجد) و(2/539 الفتح): (باب صلاة الكسوف جماعة).
وفي حديث عند أحمد (2/159) وغيره بسند صححه الحافظ ابن حجر – ان النبي صلى الله عليه وسلم قال عندما ذكر خسوف الشمس والقمر: (… فإذا انكسف أحدهما فأفزعوا إلى المساجد).
أقول: ومن تعذر عليه الذهاب إلى المسجد-لعذر شرعي – جاز له الصلاة صلاتها في البيت، والله أعلم.
سادسا: قراءة الفاتحة وما تيسر من السور الطوال – في القيامين السابقين للركوعين – في كل ركعة:
قال ابن الملقن في (الأعلام بفوائد عمدة الأحكام) (4/294):
(اتفق الفقهاء على القراءة في القيام الثاني – أعني:الذين قالوا به – وجمهورهم على قراءة الفاتحة، وقالوا: لا تصح الصلاة إلا بقراءتها فيه).
قلت: لأنها الأصل.
(تنبيه): من أعياه طوال القيام، ولم يستطع الاستمرار، جاز له أن يجلس؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (صل قائما، فإن لم تستطع فجالسا…) وقوله تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها).
سابعا: أحكام المسبوق فيها، أو من فاته ركوع من ركوعي الركعة فضلا عن الركعة كلها:
صلاة الكسوف ركعتان، كل ركعة بركوعين وسجدتين، فمجمل الصلاة: أربع ركوعات، وأربع سجدات في ركعتين.
ومن أدرك الركوع الثاني من الركعة الأولى؛ فاته فيها قيام وقراءة وركوع، وبناء عليه لا يكون قد جاء بركعة من ركعتي صلاة الكسوف؛ فلا يعتد بهذه الركعة، وعليه بعد سلام الإمام أم يأتي بركعة بركوعين – على ما ثبت في الأحاديث الصحيحة، والله اعلم.
ثامنا: الصلاة عند خسوف القمر مثل الصلاة عند كسوف الشمس:
قال ابن المنذر في (الأوسط) (5/310): (اختلفوا في الصلاة عند كسوف القمر؛ فرأت طائفة أن يصلى عند كسوف القمر؛ روينا عن ابن عباس أنه فعل ذلك… وبه قال عطاء، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي. والأخبار دالة على هذا القول؛ لأنه سوى بينهما، وأمر بالصلاة عند كسوفهما).
تاسعا: الخطبة فيها:
اختلف في ذلك العلماء؛ فذهب بعضهم إلى خصوصيتها بالنبي صلى الله عليه وسلم!
(وتعقب بما في الأحاديث الصحيحة من التصريح بها، وحكاية شرائطها؛ من الحمد والثناء، وغير ذلك مما تضمنته الأحاديث فلم يقتصر على الإعلام بسبب الكسوف.
والأصل مشروعية الاتباع، والخصائص لا تثبت إلا بدليل). قاله الإمام الشوكاني في (نيل الأوطار) (3/371). وهي على الأرجح خطبة واحدة لا اثنتان وتكون بعد الصلاة. ويصعد لها على المنبر؛ لورود ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ومضمون الخطبة؛ الترغيب والترهيب، وذكر الجنة والنار، ولأمر بالتقوى، وصالح العمل، والحض على الخير وأبوابه، ومجانبته الشر وأسبابه).
عاشرا: ذكر حضور النساء صلاة الخسوف:
هذا تبويب ابن المنذر في (الأوسط) (5/308) ومثله ترجيحة. وفي صحيح البخاري (148) وصحيح مسلم (905): أن عائشة وأسماء صليا مع النبي صلى الله عليه وسلم ولا مانع من شهود الصبيان لها – إذا أمنت المفاسد.
حادي عشر: ما ينبغي فعله، وما يجب اجتنابه عند الكسوف:
(ثبتت السنة عند الكسوف بشدة الخوف من الله والفراغ إلى الله تعالى بالذكر والدعاء والضراعة والإلتجاء والتكبير والاستغفار والصدقة والعتاقة – أي عتق الرقيق – واستمرار الصلاة حتى يكشف الله ما حل من آياته، التي يخوف الله بها عباده.
ومما ينهى عنه: الضحك واللعب – وقت الكسوف – وافظع من ذلك العكوف على المعاصي، ومحاداة الله ورسوله؛ لمنافاته الخوف من عذاب الله…) صحيح الدعاء (482 – 483) للشيخ بكر أبي زيد.
ثاني عشر: لا فرق في أدائها بين السفر والحضر:
لعدم ورود الدليل المفرق، ولعموم الدليل الموجب والله اعلم. وقد نقل الإمام النووي في (المجموع 5/59-60) عن الإمام الشافعي قوله (ولا يجوز ترك صلاة الكسوف – عندي – لمسافر ولا مقيم، ولا لأحد جاز له أن يصلي – بحال…).
ثالث عشر: مدتها:
من بداية الكسوف إلى ذهابه لقوله صلى الله عليه وسلم: (فإذا رأيتم ذلك فأفزعوا إلى الصلاة)؛ سواء قل وقتها أم كثر.
المسألة الرابعة: شبهات وفوائد
إذا تجلى الخسوف قبل الصلاة: لم يصل، والجليل قوله صلى الله عليه وسلم: (فإذا رأيتم ذلك فأفزعوا إلى الصلاة)؛ فجعله غاية الصلاة، والمقصود زوال العارض، وإعادة النعمة بنورها، وقد حصل.
وكذلك الأمر إذا فاتت أحد الصلاة؛ فلا قضاء لها.
إذا قال الفلكيون أنها ستكسف؛ فلا نصلي حتى نراه رؤية عادية؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إذا رأيتم ذلك فصلوا) أما إذا من الله علينا بأن صار في بلدنا إلا بمكبر، أو نظارات خاصة فلا نصلي، قاله الشيخ محمد صالح العثيمين في (الشرح الممتع) (5/236-237).
صلاة الكسوف في أوقات النهي؛ الصحيح جوازها – أثنائها – لعموم قوله صلى الله عليه وسلم (… إذا رأيتم ذلم فصلوا) فيشمل كل وقت.
… هذا آخر ما تيسر كتبه، والحمد لله رب العالمين
علي بن حسن الحلبي الأثري
- عفا الله عنه - بمنه -
معانيه صلاته وأحكامه
بقلم
علي بن حسن الحلبي الأثري
المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهديه الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبد ه ورسوله، أما بعد؛
فإني رأيت لزوم كتابة بحث علمي مختصر في صلاة الكسوف وأسبابها ومقدماتها وما يتعلق بها، لضرورة الواقع وكثرة السؤال وأضطراب الأذهان في الكسوف وما يتصل به من مهمات سائلا ربي سبحانه التوفيق والثبات فأول ما ذكره في هذا المقام أنه لا ارتباط بين الكسوف وبين حوادث أو أحداث معينة تقع أو ممكن وقوعها. قال الإمام ابن القيم رحمه الله (في مفتاح دار السعادة 3/412)؛ (وإنما ذكرنا هذا الفصل [في الكسوف وصلاته] ولم يكن من غرضنا لأن كثيرا من هؤلاء الاحكاميين يموهون على الجهال بأمر الكسوف ويوهمونهم أن قضاياهم وأحكامهم النجومية من السعد والنحس والظفر والغلبة وغيرها هي من جنس الحكم بالكسوف فيصدق بذلك الأغمار والرعاع ولا يعلمون أن الكسوف يعلم بحساب سير النيرين في منازلهما وذلك أمر قد أجرى الله تعالى العادة المطردة به فمن علم ما ذكرنا علم وقت الكسوف ودوامه ومقدراه وسببه وأما انه يقتضي من التأثيرات في الخير والشر والسعد والنحس والأمانة والأحياء وكذا وكذا كما يحكم به منجمون فقول على الله وعلى خلقه بما لا يعلمون).
ومما ينبه عليه - ضرورة ولزوما أن ظاهرة الكسوف هذه عند حدوثها لا يكون لها أي تأثير سلبي على الناس من الناحية الصحية والمعاشية فلا داعي لحبس النفس في البيوت أو إغلاق النوافذ والأبواب أو سد الستائر عليها وإنما يكون الحذر والتحذير فقط من النظر المباشر للشمس علما أن مثل هذا النظر ضار للعين ولو في الحالة الطبيعية للشمس، فكيف في حالة الكسوف التي ينبعث من الشمس أثنائها إشعاعات غير مرئية كالأشعة فوق البنفسجية وتحت الحمراء؟!
وها هنا مسائل علمية متعددة.
المسألة الأولى: معنى الكسوف والخسوف وسببه
قال الإمام ابن الأثير في جامع الأصول (6/164)؛
يقال كسفت الشمس، وكسفها الله؛ يتعدى فعله ولا يتعدى، وكذلك؛ كسف القمر وقد جاء في الحديث؛(كسفت الشمس، وخسفت)، (وكسف القمر وخسف)
واختار بعض العلماء-في القمر- الخاء؛ لقوله عز وجل؛(وخسف القمر)، [القيامة 8]
وقال أستاذنا محمد بن صالح العثيمين-حفظه الله- [في الشرح الممتع] (5/230-237) مبينا سبب الكسوف أو الخسوف:
(سبب كسوف الشمس: أن القمر يحول بينها وبين الأرض، فيحجبها عن الأرض، إما كلها أو بعضها، لكن لا يمكن أن يحجب القمر الشمس عن جميع الأرض؛ لأنه أصغر منها، حتى لو كسفها عن بقعة على قدر مساحة القمر لم يحجبها عن البقعة الأخرى؛ لأنها أرفع منه بكثير، ولذلك لا يمكن أن يكون الكسوف كليا في الشمس في جميع أقطار الدنيا أبدا، إنما يكون في موضع معين مساحته بقدر مساحة القمر، وإذا قلنا بهذا القول المحقق المتيقن؛ إن سبب كسوف الشمس هو حيلولة القمر بينها وبين الأرض؛ تبين أنه لا يمكن الكسوف في اليوم السابع أو الثامن أو التاسع أو العاشر؛ لبعد القمر عن الشمس في هذه الأيام؛ إنما يقرب منها في آخر الشهر.
ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى (24/257)؛ (لا يمكن إن تكسف الشمس إلا في التاسع والعشرين، أو الثلاثين أو آخر الثامن والعشرين لأنه هو الذي يمكن أن يكون قريبا من الشمس فيحول بينها وبين الأرض.
كذلك القمر سبب كسوفه حيلولة الأرض بينه وبين الشمس؛ لأن القمر يستمد نوره من الشمس؛ كالمرآه أمام القنديل.
المسألة الثانية: حكم صلاة الكسوف
أختلف أهل العلم في صلاة الكسوف؛ فنقل الشيخ سيد سابق في فقه السنة (1/213) اتفاق العلماء على أنها (سنة مؤكدة في حق الرجال والنساء)!!
قلت: وهذا متعقب بما قاله الحافظ ابن حجر في (الفتح)(2/527):
(فالجمهور على أنها سنة مؤكدة، وصرح أبو عوانة في صحيحة بوجوبها ولم أره لغيره، إلا ما حكي عن مالك أنه أجراها مجرى الجمعة، ونقل الزين بن المنير عن أبي حنيفة أنه أوجبها، وكذا نقل بعض مصنفي الحنفية أنها واجبة)
وقال الإمام ابن القيم في كتاب ((الصلاة)) ص15 حول القول بالوجوب؛ (وهو قول قوي). وإليه مل أستاذنا العلامة محمد بن صالح العثيمين – حفظه الله – في الشرح الممتع (1/293) قائلا: (وهذا القول قوي جدا… فالقول بالوجوب أقوى من القول بالإستحباب). ومثله ترجيح شيخنا الألباني – عافاه الله – في كتبه تمام المنة (ص261)؛ لما فيها من لفظ الأمر.
المسألة الثالثة: صفة صلاة الكسوف
أولا: النداء لها
قال الإمام ابن دقيق العيد في (الأحكام بشرح عمدة الأحكام) (2/135) (اتفقوا على أنه لا يؤذن ولا يقام).
وقال الشيخ بكر أبو زيد في (تصحيح الدعاء)(ص483): (لهذا ففعلهما أو إحداهما بدعة).
وبوب الإمام البخاري في (صحيحه) (2/533)(الفتح): (باب النداء بالصلاة جامعة في الكسوف).
ثانيا: عدد ركعاتها
هي ركعتان، كل منهما بركوعين: فقد بوب البخاري (1044)، ومسلم (901) عن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت:
خسفت الشمس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس، فقام، فأطال القيام، ثم ركع، فأطال الركوع، ثم قام فأطال القيام – وهو دون القيام الأول – ثم ركع، فأطال الركوع – وهو دون الركوع الأول – ثم سجد، فأطال السجود، ثم فعل في الركعة الثانية مثل ما فعل في الأولى، ثم أنصرف وقد انجلت الشمس، فخطب الناس، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، ولا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته؛ فإذا رأيتم ذلك؛ فادعوا الله، وكبروا وصلوا وتصدقوا). ثم قال: (يا أمة محمد والله ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده، أو تزني أمته، يا أمة محمد! لو تعلمون ما أعلم؛ لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا)
ثالثا: الجهر بالقراءة فيها:
روى البخاري (1065) ومسلم (901) عن عائشة رضي الله عنها؛ جهر النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الخسوف بقراءته، فإذا فرغ من فراءته؛ كبر فركع، وإذا رفع من الركعة؛ قال: (سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد) ثم يعاود القراءة في صلاة الكسوف؛ أربع ركعات في ركعتين، وأربع سجدات.
وبوب عليه البخاري يقوله: (باب الجهر بالقراءة في الكسوف).
رابعا: الدعاء فيها:
روي مسلم (913) عن عبد الرحمن بن سمرة، قال: بينا أنا أرمي بأسهمي بحياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ انكسفت الشمس، فنبذتهن وقلت: لأنظرن إلى ما يحدث للنبي صلى الله عليه وسلم في انكساف الشمس – اليوم – فانتهيت إليه وهو رافع يديه؛ يدعو ويكبر ويحمد ويهلل، حتى جلى عن الشمس، فقرأ سورتين وركع ركعتين.
قلت: لعل هذا الدعاء عقب الركوع الثاني،كالقنوت.
خامسا: صلاتها جماعة وفي المسجد:
بوب الإمام البخاري في صحيحة (2/522 الفتح): (باب صلاة الكسوف في المسجد) و(2/539 الفتح): (باب صلاة الكسوف جماعة).
وفي حديث عند أحمد (2/159) وغيره بسند صححه الحافظ ابن حجر – ان النبي صلى الله عليه وسلم قال عندما ذكر خسوف الشمس والقمر: (… فإذا انكسف أحدهما فأفزعوا إلى المساجد).
أقول: ومن تعذر عليه الذهاب إلى المسجد-لعذر شرعي – جاز له الصلاة صلاتها في البيت، والله أعلم.
سادسا: قراءة الفاتحة وما تيسر من السور الطوال – في القيامين السابقين للركوعين – في كل ركعة:
قال ابن الملقن في (الأعلام بفوائد عمدة الأحكام) (4/294):
(اتفق الفقهاء على القراءة في القيام الثاني – أعني:الذين قالوا به – وجمهورهم على قراءة الفاتحة، وقالوا: لا تصح الصلاة إلا بقراءتها فيه).
قلت: لأنها الأصل.
(تنبيه): من أعياه طوال القيام، ولم يستطع الاستمرار، جاز له أن يجلس؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (صل قائما، فإن لم تستطع فجالسا…) وقوله تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها).
سابعا: أحكام المسبوق فيها، أو من فاته ركوع من ركوعي الركعة فضلا عن الركعة كلها:
صلاة الكسوف ركعتان، كل ركعة بركوعين وسجدتين، فمجمل الصلاة: أربع ركوعات، وأربع سجدات في ركعتين.
ومن أدرك الركوع الثاني من الركعة الأولى؛ فاته فيها قيام وقراءة وركوع، وبناء عليه لا يكون قد جاء بركعة من ركعتي صلاة الكسوف؛ فلا يعتد بهذه الركعة، وعليه بعد سلام الإمام أم يأتي بركعة بركوعين – على ما ثبت في الأحاديث الصحيحة، والله اعلم.
ثامنا: الصلاة عند خسوف القمر مثل الصلاة عند كسوف الشمس:
قال ابن المنذر في (الأوسط) (5/310): (اختلفوا في الصلاة عند كسوف القمر؛ فرأت طائفة أن يصلى عند كسوف القمر؛ روينا عن ابن عباس أنه فعل ذلك… وبه قال عطاء، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي. والأخبار دالة على هذا القول؛ لأنه سوى بينهما، وأمر بالصلاة عند كسوفهما).
تاسعا: الخطبة فيها:
اختلف في ذلك العلماء؛ فذهب بعضهم إلى خصوصيتها بالنبي صلى الله عليه وسلم!
(وتعقب بما في الأحاديث الصحيحة من التصريح بها، وحكاية شرائطها؛ من الحمد والثناء، وغير ذلك مما تضمنته الأحاديث فلم يقتصر على الإعلام بسبب الكسوف.
والأصل مشروعية الاتباع، والخصائص لا تثبت إلا بدليل). قاله الإمام الشوكاني في (نيل الأوطار) (3/371). وهي على الأرجح خطبة واحدة لا اثنتان وتكون بعد الصلاة. ويصعد لها على المنبر؛ لورود ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ومضمون الخطبة؛ الترغيب والترهيب، وذكر الجنة والنار، ولأمر بالتقوى، وصالح العمل، والحض على الخير وأبوابه، ومجانبته الشر وأسبابه).
عاشرا: ذكر حضور النساء صلاة الخسوف:
هذا تبويب ابن المنذر في (الأوسط) (5/308) ومثله ترجيحة. وفي صحيح البخاري (148) وصحيح مسلم (905): أن عائشة وأسماء صليا مع النبي صلى الله عليه وسلم ولا مانع من شهود الصبيان لها – إذا أمنت المفاسد.
حادي عشر: ما ينبغي فعله، وما يجب اجتنابه عند الكسوف:
(ثبتت السنة عند الكسوف بشدة الخوف من الله والفراغ إلى الله تعالى بالذكر والدعاء والضراعة والإلتجاء والتكبير والاستغفار والصدقة والعتاقة – أي عتق الرقيق – واستمرار الصلاة حتى يكشف الله ما حل من آياته، التي يخوف الله بها عباده.
ومما ينهى عنه: الضحك واللعب – وقت الكسوف – وافظع من ذلك العكوف على المعاصي، ومحاداة الله ورسوله؛ لمنافاته الخوف من عذاب الله…) صحيح الدعاء (482 – 483) للشيخ بكر أبي زيد.
ثاني عشر: لا فرق في أدائها بين السفر والحضر:
لعدم ورود الدليل المفرق، ولعموم الدليل الموجب والله اعلم. وقد نقل الإمام النووي في (المجموع 5/59-60) عن الإمام الشافعي قوله (ولا يجوز ترك صلاة الكسوف – عندي – لمسافر ولا مقيم، ولا لأحد جاز له أن يصلي – بحال…).
ثالث عشر: مدتها:
من بداية الكسوف إلى ذهابه لقوله صلى الله عليه وسلم: (فإذا رأيتم ذلك فأفزعوا إلى الصلاة)؛ سواء قل وقتها أم كثر.
المسألة الرابعة: شبهات وفوائد
إذا تجلى الخسوف قبل الصلاة: لم يصل، والجليل قوله صلى الله عليه وسلم: (فإذا رأيتم ذلك فأفزعوا إلى الصلاة)؛ فجعله غاية الصلاة، والمقصود زوال العارض، وإعادة النعمة بنورها، وقد حصل.
وكذلك الأمر إذا فاتت أحد الصلاة؛ فلا قضاء لها.
إذا قال الفلكيون أنها ستكسف؛ فلا نصلي حتى نراه رؤية عادية؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إذا رأيتم ذلك فصلوا) أما إذا من الله علينا بأن صار في بلدنا إلا بمكبر، أو نظارات خاصة فلا نصلي، قاله الشيخ محمد صالح العثيمين في (الشرح الممتع) (5/236-237).
صلاة الكسوف في أوقات النهي؛ الصحيح جوازها – أثنائها – لعموم قوله صلى الله عليه وسلم (… إذا رأيتم ذلم فصلوا) فيشمل كل وقت.
… هذا آخر ما تيسر كتبه، والحمد لله رب العالمين
علي بن حسن الحلبي الأثري
- عفا الله عنه - بمنه -