المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : راشيل



الغرناطي
06-03-2005, 06:55 AM
راشيل

غزة . 15 مارس 2003.

عزيزي بيتر ،

أفترض أنك الآن – كعادتك – تطعم حماماتك التي تعشقها حتى النخاع، و التي كنت أغار منها كثيرا. بحساب فارق التوقيت أعتقد أنني لم أحد عن الصواب في قولي هذا. أكتب لك الآن من بيت فاطمة. كم هي جميلة !! فاطمة هي واحدة من الصديقات اللائي تعرفت بهن هنا. صدقني يا بيتر إن قلت لك أنني لأول مرة أدرك معنى أن تعيش في رفاهية . ما هي الرفاهية بالنسبة لنا ؟ هي أن نمتلك أكثر من بيت و أكثر من سيارة و لا بأس بفيلا محترمة و رصيد دسم في البنك يجعلك لا تتشاءم كثيرا تجاه الأعوام العشرة القادمة. أتذكر حلمنا بأن يكون لنا بيت جميل يجمعنا و أن يكون لدينا أولاد لطفاء يصرخون

في الثالثة صباحا و يلطخون ملابسنا بالشيكولاتة و الهامبورجر.

هنا يبدو كل ذلك ترفا ، الرفاهية هنا تتلخص في كلمتين : الوطن و السلام. البارحة قالت لي عائشة ذات الأربع سنوات أنها تحبني لأنني لست مثلهم . قلت لها أنه هناك الكثيرات و الكثيرون مثلي لكن لا أحد يتركنا ندرك شيئا في هذا العالم المليء بالأوغاد. عائشة تملك أجمل عيون رأيتها في حياتي . عندما تنظر إلي في براءة و أنا آكل معهم طعامهم الذي أحبه، و الذي تلتف حوله الأسرة في جو لا نجرؤ على الحلم به نحن بسبب ماديتنا المفرطة.عندما تفعل ذلك أشعر برغبة في البكاء. لا أدري لم . هو نفس الشعور الذي انتابني عندما كنت أودعك في المطار وأنت تتحاشى النظر إلي و أنت توصلني بسيارتك الصغيرة ( ألا زالت تأبي المسير إلا بعد ركلها ؟ ).كانت أول مرة أعرف فيها أنك تعرف حقا كيف تبدو قاسيا عندما تريد ذلك.

عزيزي بيتر ،

أعتذر منك، مرة أخرى ، لأنني لم أطاوعك فيما طلبت . المسألة أكبر مني ، صدقني. أن تساند قضية بالقول ، هذا شيء. و أن تفعل شيئا من أجلها ، فهذا شيء آخر . هنا يوضع المرء أمام الاختبار : هل أنت مؤمن بما تفعل أم أنك مجرد هرطيق يحلو له أن يثبت للآخرين أنه ذو قضية و أنه ثائر بالفعل لدرجة أنه لا يجد الوقت ليصلح سرواله ؟ و أنت أكثر من يعرف أنني لم و لن أكون من الفئة الثانية و إلا ما كنت لتحبني. أدرك جيدا أنك – و أنت تترجاني أن أبقى – كنت تتمنى في أعماق أعماقك ألا أفعل كي أبقى في نظرك راشيل التي أحببتها بصدق.

الليلة قبل البارحة هدموا منزل ليلى و أحمد المتزوجين حديثا . هكذا بكل بساطة . تخيل أن يحدث معك هذا ! يأتي شخص أجنبي و يجلس في بيتك و هو يداعب أنامل قدمه و كأنه في بيته هو . ثم لا يكتفي بهذا بل يطلب منك أن تغادر الصالة و عندما تدخل غرفتك يهدمها فوقك آمرا إياك أن تغادر البيت كله . بأي حق ؟ لا أحد يعلم للأسف.

لو رأيت منظر ليلى و هي تبكي بعد أن هدموا بيتها و النظرة التي كانت في عيني أحمد !! صدقني لقد كان جريحا . لكنه أيضا كان أسدا . أسد جريح إن جاز القول.

أعلمك أنني أرسلت رسالة أخرى إلى والدي الغاليين وأتمنى أن تصلكم الرسالتان في وقت واحد.

هناك جرافة تواجه بيت فاطمة، و من المحتمل جدا أنها تنوي هدم البيت. منذ يوم كامل و هي تقف على بعد أمتار. أعدك أن هذا لن يكون إلا على جثتي.

سأتركك الآن منتظرة رسالتك القادمة فمن الواضح أنه أمامنا عمل كبير هنا و تضحيات أكبر لن تسمح لي بكثير كتابة. أستودعك الله.

راشيل التي تحبك .. إلى الأبد.